ونقَل ابن المنذر عن الليث والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق أنه يُقتَل أيضًا من غير استِتابة، وعن الحنفيَّة: أنه يُعزَّر المُعاهَد ولا يُقتَل، واحتجَّ الطحاوي بأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يَقتل اليهود الذين قالوا: السام عليك، ولو كان هذا مِن مسلم لكان ردةً، ولأن ما هم عليه من الكفر أشدُّ من السبِّ.
قلت: يؤيِّده أن كُفرَهم به - صلى الله عليه وسلم - معناه: أنه كذاب، وأي سبٍّ أفحش مِن هذا؟! وقد أقرُّوا عليه، إلا أن يُقال: إن هذا النص في حديث الأمة يُقاس عليه أهل الذمة، وأما القول بأن دماءهم إنما حُقنت بالعهد، وليس في العهد أنهم يَسبُّون النبي - صلى الله عليه وسلم - فمَن سبَّه منهم انتقض عهده فيصير كافرًا بلا عهد فيُهدَر دمه، فقد يجاب عنه أن عهدَهم تضمَّن إقرارهم على تكذيبهم له" [19] ."
وهذا ما فهمه الصحابة وأمرهم به - صلى الله عليه وسلم - وأقرَّهم على فِعله، فعندما فتح مكة أمر أصحابه بقتل أربعة نفرٍ وامرأتَين حتى لو تعلَّقوا بأستار الكعبة؛ لأنهم كانوا يَسبُّونه - صلى الله عليه وسلم - والجاريتان يتغنيان بذلك [20] .
فعن مصعب بن سعد عن أبيه قال:"لما كان يوم فتح مكة أمَّن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس إلا أربعة نفر وامرأتين، وقال: (( اقتُلوهم، وإن وجدتموهم متعلِّقين بأستار الكعبة ) )؛ عكرمة بن أبي جهل، وعبدالله بن خَطَل، ومَقيس بن صُبابة، وعبدالله بن سعد بن أبي سَرْح" [21] .