"سمعتُ أبا عبدالله - أي: أحمد بن حنبل - يُسأل عن حديث أبي بكر:"ما كانت لأحد بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: لم يكن لأبي بكر أن يَقتُل رجلاً إلا بإحدى ثلاث، وفي رواية: بإحدى الثلاث التي قالها رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( كفر بعد إيمان، وزِنًا بعد إحصان، وقتْل نفس بغير نفس ) )، والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان له أن يَقتُل، وقد استدلَّ به على جواز قتل سابِّ النبي - صلى الله عليه وسلم - جماعةٌ من العلماء؛ منهم أبو داود، وإسماعيل بن إسحاق القاضي، وأبو بكر عبدالعزيز، والقاضي أبو يعلى، وغيرهم من العلماء؛ وذلك لأنَّ أبا بَرزَة لما رأى الرجل قد شتَم أبا بكر وأغلَظ له حتى تغيَّظ أبو بكر، استأذَنه في أن يَقتُله بذلك، وأخبره أنه لو أمره لقتلَه، فقال أبو بكر:"ليس هذا لأحد بعد النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -"، فعُلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان له أن يَقتُل مَن سبَّه ومَن أغلظ له، وأن له أن يأمر بقتْل مَن لا يعلم الناس منه سببًا يُبيح دمه، وعلى الناس أن يُطيعوه في ذلك؛ لأنه لا يأمر إلا بما أمر الله به ولا يَأمُر بمعصية الله قطُّ، بل مَن أطاعه فقد أطاع الله، فقد تضمَّن الحديث خصيصتَين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم:
إحداهما: أنه يُطاع في كل مَن أمر بقتلِه.
والثانية: أن له أن يَقتُل مَن شتمَه وأغلَظ له.
وهذا المعنى الثاني الذي كان له باقٍ في حقِّه بعد موته، فكل مَن شتَمه أو أغلظ في حقِّه، كان قتله جائزًا، بل ذلك بعد موته أوكَد وأوكد؛ لأنَّ حُرمتَه بعد موته أكمل، والتساهُل في عِرضه بعد موته غير مُمكن، وهذا الحديث يُفيد أن سبَّه في الجملة يُبيح القتل، ويُستدلُّ بعمومه على قتل الكافر والمسلم [18] .
قال الصنعاني:
"الحديث دليل على أنه يُقتَل مَن سبَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ويُهدَر دمُه، فإن كان مسلمًا كان سبُّه له - صلى الله عليه وسلم - ردةً فيُقتل، قال ابن بطال: مِن غير استتابة، ونقَل ابن المُنذِر عن الأوزاعي والليث: أنه يُستتاب، وإن كان مِن أهل العهد فإنه يُقتل إلا أن يُسلِم."