وأما إقراره - صلى الله عليه وسلم - فأصلُه حديث ابن عباس: أن أعمى كانت له أمُّ ولد تَشتُم النبي - صلى الله عليه وسلم - وتقع فيه، فيَنهاها فلا تَنتهي، ويَزجُرها فلا تَنزجِر، قال: فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي - صلى الله عليه وسلم - وتَشتُمه، فأخذ المِغوَل فوضَعه في بَطنِها واتَّكأ عليها فقتَلها، فوقع بين رِجلَيها طِفل فلطَّخت ما هناك بالدم، فلما أصبَح ذُكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجمع الناس فقال: (( أَنشُد الله رجلاً فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام ) )، فقام الأعمى يتخطَّى الناس وهو يَتزلزل حتى قعد بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، أنا صاحِبها، كانت تَشتُمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي، وأَزجُرها فلا تَنزجِر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتَين، وكانت بي رفيقةً، فلما كانت البارحة جعلتْ تَشتُمك وتقع فيك، فأخذت المِغوَل فوضعته في بطنها واتَّكأت عليها حتى قتلتها، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( ألا اشهدوا أن دمَها هدر ) ) [22] .
ومن رحمته - صلى الله عليه وسلم - بأمته أنه أخَذ مِن الله عهدًا أنه إذا سبَّ أو لعَن أو دعا على فرد مِن أفراد أمته، كان مَغفِرةً لذُنوبه وكفَّارةً لها ورحمة؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه: أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( اللهم، فأيما مؤمن سبَبتُه، فاجعل ذلك له قربةً إليك يوم القيامة ) ) [23] ، وفي رواية: (( اللهم، إنما أنا بشر، فأيما رجل من المسلمين سبَبتُه أو لعنته أو جلدته، فاجعلها له زكاةً ورحمةً ) ) [24] ، وفي رواية: (( اللهم، إنما محمد بشر يَغضب كما يَغضب البشر، وإني قد اتَّخذت عِندك عهدًا لن تُخلِفَنيه، فأيما مؤمن آذيتُه أو سببته أو جلدته، فاجعلها له كفارةً وقربةً تُقرِّبه بها إليك يوم القيامة ) ) [25] ، وسبب ورود هذا النص: