وَأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الْوَسَخَ إنَّمَا قُرِنَ بِالْفَرْضِ خَاصَّةً.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي رَافِعٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى الصَّدَقَةِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ ، فَقَالَ لِأَبِي رَافِعٍ: اصْحَبْنِي ، فَإِنَّك تُصِيبُ مِنْهَا ؛ فَقَالَ: حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ فَأَسْأَلَهُ.
فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ ، فَقَالَ: مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، وَإِنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ.
وَهَذَا نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ ، فَلَوْ صَحَّ لَوَجَبَ قَبُولُهُ ، وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا فِي ذَلِكَ جَوَابَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ ذَلِكَ عَلَى التَّنْزِيهِ مِنْهُ.
الثَّانِي: أَنَّ أَبَا رَافِعٍ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْدُمُ وَيُطْعِمُ ، فَكَرِهَ لَهُ تَرْكَ الْمَالِ الَّذِي لَمْ يُذَمَّ ، وَأَخْذَهُ لِمَالٍ هُوَ أَوْسَاخُ النَّاسِ ، فَكَسْبُ غَيْرِهِ أَوْلَى مِنْهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: بَعَثَنِي أَبِي إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إبِلٍ أَعْطَاهَا إيَّاهُ مِنْ الصَّدَقَةِ.
قُلْنَا: لَمْ يَصِحَّ.
وَجَوَابُهُ لَوْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَسْلَفَ مِنْ الْعَبَّاسِ ، فَرَدَّ إلَيْهِ مَا اسْتَسْلَفَ مِنْ الصَّدَقَةِ ، فَأَكَلَهَا بِالْعِوَضِ.
وَقَدْ رَوَيْنَا ذَلِكَ مُفَسَّرًا مُسْتَوْفًى فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ.
وَقَدْ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَجُوزُ صَرْفُ صَدَقَةِ بَنِي هَاشِمٍ إلَى فُقَرَائِهِمْ ، فَيُقَالُ لَهُ: أَيَأْكُلُونَ مِنْ أَوْسَاخِهِمْ ؟ هَذَا جَهْلٌ بِحَقِيقَةِ
الْعِلَّةِ وَجِهَةِ الْكَرَامَةِ.