وأما قوله جل شأنه مخاطباً لقوم عاد: {وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً} فإنه لا يدل على ما أرادوا ، وإنما يدل على عظم أجسامهم وقوتهم وشدتها ، وهذا من الأمور المعتادة ، فإن الأمم ليست متساوية في ضخامة الجسم وطوله وقوته ، بل تتفاوت لكن تفاوتاً قريباً .
ومما يدل على أن أجسام من سلف
كأجسامنا ، لا تتفاوت عنها تفاوتاً كبيراً ، مساكن ثمود قوم صالح الباقية ، وآثارهم البادية ، ومثله ، بل أعرق منه في الوهم ، ما ينقلونه وصف عوج بن عنق الجبار ملك بيسان ، من أنه كان يحتجز بالسحاب ويشرب منه من طوله ، ويتناول الحوت من قرار البحر ، فيشويه بعين الشمس ، يرفعه إليها . والحال أن الشمس كوكب لا مزاج له من حر أو برد وإنما حرارتها من انعكاس شعاعها ، بمقابلة سطح الأرض والهواء ، فشدة حرارتها في الأرض ، وتتناقص الحرارة فيما علا عنها بمقدار الإرتفاع .
وقد أنكر العلامة ابن خلدون جميع ذلك في"مقدمة تاريخه"، وأبان أن الذي أدخل الوهم على الناس في طول الأقدمين هو ما يشاهدونه من بعض آثارهم الجسمية ، ومصانعهم العظيمة ، كأهرام مصر وإيوان كسرى ، فيتخيلون لأصحابها أجساماً تناسب ذلك .
والحال أن عظم هذه المصانع والآثار في أمة من الأمم ناشئ عن عظم ذواتها ، وإتساع [في المطبوع: وإاساع] ممالكها ، وقوة شوكتها ، ونماء ثروتها ، واستعانتها بالماهرين في فن جر الأثقال ، فإنه يقوم بحمل ما تعجز القوى البشرية عن معشاره .