قيل: الكلمة مأخوذةٌ من نَصَح: خاطَ ، وقيل: من نَصَح العَسَل: صَفَّاه ، شَبَّهوا تخليصَ القولِ والعَمل من شَوْب الغِشِّ والخِيانة بتخليص العَسَل من الخَلْط انتهى ملخَّص كلامه وأَقولُ: النُّصْحُ: الخُلوصُ مطلقا ولا تَقْيِيد له بالعسَل ولا بغيره كما قدّمته آنفاً.
وإِعادة معنى الكلمة على
معنى الخُلوص أَوْضَح.
وأَمّا بيانُ أَنواع النَّصيحة [فقد] قال الشيخ أَبو زكريا: قالوا: مَدارُ الدّين على أَربعةِ أَحاديث ، وأَنا أَقول بل مدارُه على هذا الحديث وَحْدَه.
ثمَّ اعلم أَنَّ النَّصيحة أَقسامٌ كما بيّنه صلَّى الله علهي وسلَّم ؛ فأَمّا النصيحة لِله عزَّ وجلّ فمعناها منصرفٌ إلى اعتقاد وَحْدانيّته ، ووَصْفِه بما هو أَهلُه ، وتَنْزِيهِه عَمّا لا يجوز عليه ، والرّغبةِ في مَحابّهِ والبعد عن مَساخِطه ، والإِخلاص فِي عبادته ، والحبّ فيه والبغض ، ومُوالاة مَنْ أَطاعَه ، ومُعاداة من عَصاه ، وجهاد من كَفَر به ، والاعتراف بنعمه والشكر عليها بالقول والفِعْل ، والدّعاءِ إِلى جميع هذه الأَوصاف المذكورة ، والحثَّ عليها/ ، والتلطُّف فِي جَمْع جميع الناس أَوْ مَنْ أَمكن منهم عليها.
وحقيقة هذه الإِضافة راجعةٌ إِلى العَبْد فِي نُصْحِه نفسه لله ، ودَعْوة غيره من الخلق إِلى هذه الخصال.
والله سبحانه غنيٌّ عن نُصْح كلّ ناصح.
وأَمّا نصيحةُ كِتابِه فالإِيمان بأَنَّه كلامُ الله تعالى وتَنْزيلُه ، لا يُشْبهُه شىءٌ من كلامِ الخَلْق ، ولا يَقْدِرُ على مِثْله أَحدٌ من المخلوقين.
ثم من نُصْحِه تِلاوتُه ، وحَقُّ تِلاوَتِه إِقامةُ حُروفه وتحسينُها ، والخُشوع عند الاستماع لها [و] عند قراءَتها ، والذَبُّ عنه من تأَويل الغالِين وتحريفِ المُبْطِلين وطَعْن المُلْحِدين ، والتصديقُ بجميع ما فيه ، والوُقوفُ عند أَحكامه ، والتَفقُّه فيه ، والاعتبار بمواعظه ، والتفكُّر فِي عجائبه ، والعلم بفرائضه وسُنَبِه ، ونشر عُلومه ، والدّعاءِ إِليه ، وتعظيم أَهله.