والجواب عنهما معا: أن قوم نوح عليه السلام لما رموه بالضلال وأكدوا ذلك وزعموا استحكامه بالوصف فِي قولهم له عليه السلام:"إنا لنراك فِي ضلال مبين"فزعموا أن ضلاله غير خاف وهو الذهاب عن طريق الصواب ولا يكون إلا عن عدم العلم بما فيه رشاد الضال واستقامة حاله نفى عليه السلام كل ذلك عن نفسه بقوله:"ليس بي ضلالة"ثم أتبع بأوصاف عليع تناقض قولهم وتدفعه وتشهد للمتصف بها ببراءته من ذلك وترد ذلك الوصف عليهم وأنهم الأهلون لما رموه به فقال:"ولكنى رسول من ب العالمين"ولا يرسل رب العالمين المالك للكل العليم بهم إلا من جعله درجات المهتدين العالمين بنصاب الرسالة وما يلزم متحملها ثم بين لهم نصحه واستمراره فِي إبلاغهم ونصحهم فقال:"أبلغكم رسالات ربى وأنصح لكم"ثم أتبع تعريفهم بجهلهم بما عنده من ربه ويعلمه هو بذلك فقال:"وأعلم من الله ما لا تعلمون"وإنما قال"وأنصح"،"وأعلم"ليعلم بتماديه على النصح لهم وهم لا يشعرون ولا يهتدون وبإمداده بزيادة علومه بالوحي وهم عن ذلك فِي أشنع ضلال وأبعده فجمه عليه السلام فيما خاطبهم به رد مقالهم ورميهم بأكثر مما رموه به ورد ذلك عليهم بألطف رد وأبينه لمن وفق ونزه عليه السلام عبارته المخلصة لذلك على أتم الوجوه عن شنيع عبارتهم وقبح مواجتهم وأما جواب هود عليه السلام فإن قومه لما قالوا:"إنا لنراك فِي سفاهة"فرموه بخفة الحلم وقلة الثبات وكثرة الطيش نفى عليه السلام ذلك عن نفسه فقال:"ليس بي سفاهة"فرد قولهم ثم عرفهم برسالته وقدم ما ينبغى للرسول أن يكون عليه ثم أتبع بجليل أداء أمانة الرسالة من التبليغ والتمادى عليه فقال"أبلغكم"فجاء بالفعل المشعر بالتكرر والاستمرار قياما بإبلاغ رسالته وحفظا لأمانتها ثم قال:"وأنا لكم ناصح أمين"فعرفهم بصفتين جليلتين قد اكتنفته العصمة فيهما ومن كانت صفتاه اللازمتان له النصح والأمانة فقد تنزه قدره عن الطيش وعدم الحلم: