وَمِنَ الْمَعْرُوفِ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْهَوَاءَ يَتَحَوَّلُ بِشِدَّةِ الْبَرْدِ وَالضَّغْطِ إِلَى مَاءٍ ثُمَّ إِلَى جَلِيدٍ - كَمَا أَنَّ الْمَاءَ يَتَبَخَّرُ بِالْحَرَارَةِ حَتَّى يَكُونَ هَوَاءً أَوْ كَالْهَوَاءِ فِي لَطَافَتِهِ وَعَدَمِ رُؤْيَتِهِ ، وَقَدْ كَانَ الْمُتَقَدِّمُونَ يَحْسَبُونَهُمَا شَيْئًا وَاحِدًا ، وَعُلَمَاءُ الْعَرَبِ فَرَّقُوا بَيْنَ بُخَارِ الْمَاءِ وَكُرَةِ الْهَوَاءِ . وَلَكِنَّ اسْمَ الْبُخَارِ فِي لُغَتِهِمْ يَشْمَلُ كُلَّ الْمَوَادِّ اللَّطِيفَةِ الَّتِي تَصْعَدُ فِي جَوِّ السَّمَاءِ الَّتِي يُسَمِّيهَا الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْعَصْرِ"الْغَازَاتِ"وَالْمَشْهُورُ أَنَّ فِي الْهَوَاءِ مِنْ حَيْثُ حَجْمِهِ لَا ثِقْلِهِ 21 جُزْءًا فِي الْمِائَةِ مِنَ الْأُكْسُجِينِ و87 فِي الْمِائَةِ مِنَ النِّيتْرُوجِينِ وَوَاحِدًا فِي الْمِائَةِ مِنَ الْأَرْغُونِ ، وَهَذِهِ النِّسْبَةُ تَكُونُ هِيَ الْغَالِبَةَ فِي الْهَوَاءِ الْمُجَاوِرِ لِلْأَرْضِ وَهِيَ ضَرُورِيَّةٌ لِحَيَاةِ أَكْثَرِ الْأَحْيَاءِ حَيَاةً صَالِحَةً مُعْتَدِلَةً ، فَإِذَا زَادَ الْأُكْسُجِينُ زِيَادَةً كَبِيرَةً أَوْ نَقُصَ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ لَمْ يَعُدْ صَالِحًا لِحَيَاةِ الْأَحْيَاءِ بَلْ يَصِيرُ نَارًا مُحْرِقَةً أَوَسُمًّا زُعَافًا . فَكَوْنُ النِّيتْرُوجِينِ يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْأُوكْسُجِينِ فِي حَجْمِ الْهَوَاءِ ضَرُورِيٌّ لِتَعْدِيلِهِ وَجَعْلِهِ صَالِحًا لِذَلِكَ .