يُسَمُّونَ الْهَوَاءَ عُنْصُرَ الْحَيَاةِ ، فَلَوْلَاهُ لَمْ تُوجَدِ الْحَيَاةُ الْحَيَوَانِيَّةُ وَلَا النَّبَاتِيَّةُ عَلَى هَذِهِ الْأَرْضِ فَالْإِنْسَانُ وَسَائِرُ أَنْوَاعِ الْحَيَوَانِ تَسْتَنْشِقُ الْهَوَاءَ فَيُطَهِّرُ مَا فِيهِ مِنَ الْأُكْسُجِينِ دِمَاءَهَا مِنَ الْكَرْبُونِ السَّامِّ فَيَخْرُجُ بِالتَّنَفُّسِ إِلَى الْجَوِّ فَيَتَغَذَّى بِهِ النَّبَاتُ . وَلَوِ احْتَبَسَ مَا يَتَّلِدُ فِي دَمِ الْحَيَوَانِ مِنَ السُّمُومِ الْآلِيَّةِ فِي صَدْرِهِ لَأَمَاتَهُ مَسْمُومًا كَمَا يَمُوتُ الْغَرِيقُ بِعَدَمِ دُخُولِ الْهَوَاءِ فِي رِئَتَيْهِ . فَمَثَلُهُ فِي ذَلِكَ كَمَثَلِ مِصْبَاحِ
زَيْتِ الْبِتْرُولِ الَّذِي يَمُدُّ أُكْسُجِينُ الْهَوَاءِ اشْتِعَالَهُ ، أَلَمْ تَرَ أَنَّكَ إِذَا وَضَعْتَ عَلَى فُوَّهَةِ زُجَاجَةِ الْمِصْبَاحِ غِطَاءً مُحْكَمًا يَنْطَفِئُ نُورُهُ سَرِيعًا ؟ وَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْحَيَوَانَاتُ الْمَائِيَّةُ كَالسَّمَكِ فَإِنَّ الْهَوَاءَ الَّذِي يُخَالِطُ الْمَاءَ كَافٍ لَهَا .
وَالنَّبَاتُ يَمْتَصُّ الْكَرْبُونَ السَّامَّ مِنَ الْهَوَاءِ فَيَتَغَذَّى بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَيَدَعُ الْأُكْسُجِينَ لِلْحَيَوَانِ ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا يَأْخُذُ مِنْهُ حَظَّهُ ، وَيُفِيدُ فِي الْحَيَاةِ صِنْوَهُ ، كَمَا قُلْنَا فِي الْمَقْصُورَةِ:
وَالْبَاسِقَاتُ رَفَعَتْ أَكُفَّهَا تَسْتَنْزِلُ الْغَيْثَ وَتَطْلُبُ النَّدَى تَمْتَلِجُ الْكَرْبُونَ مِنْ ضَرْعِ الْهَوَى تُؤْثِرُنَا بِالْأُكْسُجِينِ الْمُنْتَقَى