مِنْهَا كَقَطِيعَةِ الْأَرْحَامِ ، وَالْيَأْسِ مِنْ رَوْحِ اللهِ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عِنْدَ تَقَطُّعِ الْأَسْبَابِ ، يُضْعِفَانِ قُوَى النَّفْسِ الْحَيَوِيَّةِ وَيُهْرِمَانِ الْجِسْمَ قَبْلَ إِبَّانِ الْهَرَمِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
وَالْهَمُّ يَخْتَرِمُ الْجَسِيمَ نَحَافَةً ... وَيُشِيبُ نَاصِيَةَ الصَّبِيِّ وَيُهْرِمُ
وَلِلْهُمُومِ أَسْبَابٌ كَثِيرَةٌ تَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَمِثْلُهَا فِي تَقْصِيرِ الْعُمْرِ الطَّبِيعِيِّ قِلَّةُ الْغِذَاءِ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْبَدَنُ وَالْإِسْرَافُ فِيهِ وَفِي كُلِّ لَذَّةٍ . وَكَذَا فِي الرَّاحَةِ وَالتَّعَبِ وَكَثْرَةِ التَّعَرُّضِ لِلنَّجَاسَةِ وَالسُّكْنَى فِي الْأَمْكِنَةِ الْقَذِرَةِ الَّتِي لَا تُصِيبُهَا الشَّمْسُ وَلَا يَتَخَلَّلُهَا الْهَوَاءُ بِالْقَدْرِ الَّذِي يَكْفِي لِامْتِصَاصِ الرُّطُوبَاتِ وَقَتْلِ جَرَاثِيمِ الْفَسَادِ فِيهَا ، وَالْأُمَمُ الْعَلِيمَةُ بِالسُّنَنِ الْإِلَهِيَّةِ فِي الصِّحَّةِ وَالسَّقَمِ وَالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ تُحْصِي دَائِمًا عَدَدَ الْمَرْضَى وَالْمَوْتَى فِيهَا ، وَتَضَعُ لَهَا نِسَبًا حِسَابِيَّةً تَعْرِفُ بِهَا مُتَوَسِّطَ الْآجَالِ
فِي كُلٍّ مِنْهَا ، وَقَدْ ثَبَتَ بِهَا ثُبُوتًا قَطْعِيًّا أَنَّ مِنْ أَسْبَابِ قِلَّةِ الْوَفِيَّاتِ تَحْسِينُ وَسَائِلِ الْمَعِيشَةِ وَالِاعْتِدَالُ فِيهَا ، وَالتَّوَقِّي مِنَ الْأَمْرَاضِ بِاجْتِنَابِ أَسْبَابِهَا الْمَعْرُوفَةِ قَبْلَ وُقُوعِهَا بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ وَمُعَالَجَتُهَا بَعْدَ طُرُوئِهَا كَذَلِكَ . وَكُلُّ مَا ثَبَتَ وَوَقَعَ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ