قال دهقان لابنه: إياك إذا نلت منزلة من السلطان أن تلبس ما يديم نظره إليك، واعلم أن الوشي لا يلبسه إلا أحمق أو ملك، وعليك بالبياض اللين فكل أبيض عندهم ثوب. وحكي أن الشيخ الأمين عبّاد بن العباس كان له جبّات كثيرة كلها عنّابي على لون واحد، يخدم بها ركن الدولة الحسن بن بويه، فقال يوما لحاشيته: أنظروا إلى نظافته يلبس جبّة كذا كذا سنة لا يغيّرها ولا يبليها.
وقيل: أراد عمرو بن مسعدة يوما الركوب إلى السلطان في ثياب وشي، فقال له نوح بن إبراهيم: لا تفعل، فقال: لم لا أفعل وغلتي كل شهر كذا؟ فقال إبراهيم غلّتك مسموعة وجبتك ملحوظة.
من لبس المعاوز من الصالحين
قيل: كان أويس يلتقط الخرق من المزابل فيخيطها ويلبسها. وعمر رضي الله عنه رؤي عليه قميص فيه اثنتا عشرة رقعة وهو يخطب.
وقال أبو أويس الخولاني: قلب نقي في ثوب دنس أحب من قلب دنس في ثوب نقي. وكان لعمر رضي الله عنه قميص قيمته أربعة دراهم، فقال: إني أخشى أن أسأل عن لينه يوم القيامة، فبكى سالم غلامه وقال له:
رأيتك قبل الخلافة لبست ثوبا بأربعين دينارا فاستحسنته. فقال: يا سالم إني كنت لم أنل شيئا إلا طلبت ما فوقه فلما نلت الخلافة علمت أن ليس فوقها إلا الجنّة فدعني أطلبها.
وقال رجاء بن حيوة قوّمت ثياب عمر بن عبد العزيز وهو خليفة باثني عشر درهما قميصه وخفّه وعمامته وسراويله وقلنسوته.
حمد لبس المعاوز
قيل: ألبس من الثياب ما يخدمك ولا يستخدمك وقال عمرو بن العاص: لا أملّ ثوبي ما ستر عورتي ولا دابّتي ما حملت رحلي. وكان خزيم الناعم لم يكن يلبس في الصيف إلا خلقا ولا في الشتاء إلا جديدا.
عذر من لؤم لبسه وكرمت نفسه
دخل النجار العذري على معاوية فازدراه. فقال: يا أمير المؤمنين إن العباءة لا تكلمك إنما يكلمك من فيها فملأ سمعه حكمة ثم نهض ولم يسأله شيئا فقال ما رأيت أحقر أولا ولا أكبر آخرا منه وعاتب يحيى بن خالد العتبي في خلق ثيابه، فقال: أخزى الله من ترفعه هيئتاه ثيابه وجماله ولم يرفعه أكبراه همته ونفسه إنما الهيئة للأبناء والنساء وقال حبيب بن أبي ثابت. لأن أعزّ في خميصة أحب إليّ من أن أذلّ في مطرف.
وقيل: لا يسود الرجل حتى لا يبالي في أي ثوبيه ظهر.
قال أبو هفّان:
تعجّبت درّ من شيبي فقلت لها: لا تعجبي فطلوع الشمس في السّدف
وزادها عجبا أن رحت في سمل ... وما درت درّ أن الدرّ في الصّدف
وقال: