إذن فالشيطان لا يتمثل ، هكذا قال بعض العلماء ، ونقول لهم: أنتم فهمتم أن الشيطان حين يتمثل ، يتمثل تمثلاً استمرارياً ، لا . هو يتمثل تمثل الومضة ؛ لأن الشيطان يعلم أنه لو تشكل بصورة إنسان أو لصورة مادية لحكمته الصورة التي انتقل إليها ، وإذا حكمته الصورة التي انتقل إليها فقد يقتله من يملك سلاحاً ، إنه يخاف منا أكثر مما نخاف منه ، ويخاف أن يظهر ظهوراً استمرارياً ؛ لذلك يختار التمثل كومضة ، ثم يختفي ، والإنسان إذا تأمل الجني المشكل . سيجد فيه شيئاً مخالفاً ، كأن يتمثل - مثلا - في هيئة رجل له ساق عنزة لتلتفت إليه كومضة ويختفي ؛ أنه يخاف أن تكون قد عرفت أن الصورة التي يتشكل بها تحكمه . وإذا عرفت ذلك أمكنك أن تصرعه .
ويتابع الحق سبحانه: {... إِنَّا جَعَلْنَا الشياطين أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 27]
والشياطين من جَعْل الله ، وسبحانه خلّى بينهم وبين الذين يريدون أن يفتنوهم والا لو أراد الله منعهم من أن يفتنوهم . لفعل . . إذن فكل شيء في الوجود ، أو كل حدث في الوجود يحتاج إلى أمرين: طاقة تفعل الفعل ، وداع لفعل الفعل . فإذا ما كانت عند الإنسان الطاقة للفعل ، والداعي إلى الفعل ، فإبراز الفعل في الصورة النهائية نستمدها من عطاء الله من الطاقة التي منحها الله للإنسان . فأنت تقول: العامل النساج نسج قطعة من القماش في غاية الدقة ، ونقول: إن العامل لم ينسج ، وإنما الآلة ، والآلة لم تنسج ، لكن الصانع الذي صنعها أرادها كذلك ، والصانع لم يصممها الا بالعالم الذي ابتكر قانون الحركة بها .
إذن فالعامل قد وجّه الطاقة المخلوقة للمهندس في أن تعمل ، واعتمد على طاقة المهندس الذي صنعها في المصنع ، والمهندس اعتمد على طاقة الابتكار وعلى العالم الذي ابتكر قانون الحركة ، والعالم قد ابتكرها بعقل خلقه الله ، وفي مادة خلقها الله .