«وقد بلغت كراهة البنات إلى حد الوأد. ذكر الهيثم بن عدي - على ما حكاه عنه الميداني - أن الوأد كان مستعملاً في قبائل العرب قاطبة، فكان يستعمله واحد ويتركه عشرة. فجاء الإسلام، وكانت مذاهب العرب مختلفة في وأد الأولاد. فمنهم من كان يئد البنات لمزيد الغيرة ومخافة لحوق العار بهم من أجلهن. ومنهم من كان يئد من البنات من كانت زرقاء. أو شيماء (سوداء) أو برشاء (برصاء) أو كسحاء (عرجاء) تشاؤماً منهم بهذه الصفات. ومنهم كان يقتل أولاده خشية الإنفاق، وخوف الفقر ..
«وكانوا يقتلون البنات ويئدونهن بقسوة نادرة في بعض الأحيان، فقد يتأخر وأد الموؤدة لسفر الوالد وشغله، فلا يئدها إلا وقد كبرت، وصارت تعقل. وقد حكوا في ذلك عن أنفسهم مبكيات. وقد كان بعضهم يلقي الأنثى من شاهق» ..
ومن أرجاسها - وأصل هذه الأرجاس جميعاً - الشرك والوثنية الهابطة الساذجة: كما يصورها في إجمال الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه:
«انغمست الأمة في الوثنية وعبادة الأصنام بأبشع أشكالها. فكان لكل قبيلة أو ناحية أو مدينة، صنم خاص، بل كان لكل بيت صنم خصوصي. قال الكلبي: كان لأهل كل دار من مكة صنم في دارهم يعبدونه، فإذا أراد أحدهم السفر، كان آخر ما يصنع في منزله أن يتمسح به، وإذا قدم من سفره كان أول ما يصنع إذا دخل منزله أن يتمسح به أيضاً» . واستهترت العرب في عبادة الأصنام، فمنهم من اتخذ بيتاً، ومنهم من اتخذ صنماً ومن لم يقدر عليه ولا على بناء بيت نصب حجراً أمام الحرم، وأمام غيره مما استحسن، ثم طاف به كطوافه بالبيت، وسموها الأنصاب. وكان في جوف الكعبة - البيت الذي بني لعبادة الله وحده - وفي فنائها ثلاثمائة وستون صنماً. وتدرجوا من عبادة الأصنام والأوثان إلى عبادة جنس الحجارة. روى البخاري عن أبي رجاء العطاردي، قال: كنا نعبد الحجر، فإذا وجدنا حجراً هو خيراً منه القيناه وأخذنا الآخر فإذا لم نجد حجراً جمعنا حثوة من تراب، ثم جئنا بالشاة فحلبنا عليه ثم طفنا به. وقال الكلبي: كان الرجل إذا سافر فنزل منزلاً، أخذ أربعة أحجار، فنظر إلى أحسنها، فاتخذه ربا، وجعل ثلاث أثافيّ لقدره، وإذا
ارتحل تركه.
«وكان للعرب - شأن كل أمة مشركة في كل زمان ومكان - آلهة شتى من الملائكة والجن والكواكب.
فكانوا يعتقدون أن الملائكة بنات الله فيتخذونهم شفعاء لهم عند الله، ويعبدونهم، ويتوسلون بهم عند الله.