وكلمة"كُن"نفسها هي أقصر أمر. إنّ أمره ألطف وأدق من أن يدركه على حقيقته مخلوق. لكن الحق يأتي لنا بالصورة الخفيفة التي تجعل بشريتنا تفهم الأمر. فالذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضرّو الله شيئاً ولهم عذاب أليم. فهم لن يعيشوا بِنَجْوَةٍ وبُعد عن العذاب ، بل سيكون لهم العذاب الأليم.
ونحن نجد أن الحق يقول مرة فِي وصف مثوى الكافرين إنه عذاب أليم ، ومرة أخرى لهم عذاب عظيم ومرة عذاب مهين ، لماذا ؟
لأن العذاب له جهات متعددة ، فقد يُوجد عذابٌ مؤلم ، ولكن المُعَّذب يتجلد أمام من يُعذبّه ويُظهر أنه ما زال يملك بقيّة من جَلَد ، إنه يتألم لكنه يستكبر على الألم ، ولذلك قال الشاعر: وتجلّدي للشامتين أُريهمو أني لِرَيْب الدهر لا أتضعضعُ
فالتجلّد هو نوع من الكبرياء على الواقع. ولذلك يأتي من بعد ذلك قوله الحق إن لأمثال هؤلاء عذاباً مهيناً ، أي إنهم سيذوقون الذّل والألم ، ولا أحد فيهم يستطيع التجلد. وهذا النوع من العذاب لا يقف فقط عند حدود الألم العادي ، ولكنه عذاب عظيم فِي كمّيته وقدره ، وأليم فِي وقعه. ومهين فِي إذلال ودكّ النفس البشرية وغُرورها ؛ لذلك فعندما نجد أن العذاب الذي أعده الله للكافرين موصوف بأنه"عذاب أليم"ومرة"عذاب عظيم"ومرة"عذاب مهين"فلنعرف أن لكل واحدة معنى ، فليست المسألة عبارات تقال هكذا بدون معنى مقصود.
وأريد أن أقف هنا فِي هذا الحديث عند"لام العاقبة"لأن البعض يحاول أن يخلق منها إشكالات إنّ هؤلاء المتربصين لكلام الله يحاولون النيل منه ، وهم لا يبحثون إلا فيما يتوهّمون - جهلاً - أنه نقاط ضعف ، وهو سبحانه وتعالى يقول عن الكفار والعياذ بالله وهم فِي النار: