والحقيقة الثالثة: أن النظام الأخلاقي والنظام العملي فِي الإسلام مترابطان تماماً ، وأن الإنسان فِي كل تصرفاته مرتبط بعهد الاستخلاف وشرطه ، وأنه مختبر ومبتلى وممتحن فِي كل نشاط يقوم به فِي حياته ، ومحاسب عليه فِي آخرته. فليس هناك نظام أخلاقي وحده ، ونظام عملي وحده ، وإنما هما معا يؤلفان نشاط الإنسان ، وكلاهما عبادة يؤجر عليها إن أحسن ، وإثم يؤاخذ عليه إن أساء. وأن الاقتصاد الإسلامي الناجح لا يقوم بغير أخلاق ، وأن الأخلاق ليست نافلة يمكن الاستغناء عنها ثم تنجح حياة الناس العملية.
والحقيقة الرابعة: أن التعامل الربوي لا يمكن إلا أن يفسد ضمير الفرد وخلقه ، وشعوره تجاه أخيه فِي الجماعة ؛ وإلا أن يفسد حياة الجماعة البشرية وتضامنها بما يبثه من روح الشره والطمع والأثرة والمخاتلة والمقامرة بصفة عامة. أما فِي العصر الحديث فإنه يعد الدافع الأول لتوجيه رأس المال إلى أحط وجوه الاستثمار. كي يستطيع رأس المال المستدان بالربا أن يربح ربحاً مضموناً ، فيؤدي الفائدة الربوية ويفضل منه شيء للمستدين. ومن ثم فهو الدافع المباشر لاستثمار المال فِي الأفلام القذرة والصحافة القذرة والمراقص والملاهي والرقيق الأبيض وسائر الحرف والاتجاهات التي تحطم أخلاق البشرية تحطيماً.. والمال المستدان بالربا ليس همه أن ينشئ أنفع المشروعات للبشرية ؛ بل همه أن ينشئ أكثرها ربحاً. ولو كان الربح إتما يجيء من استثارة أحط الغرائز وأقذر الميول.. وهذا هو المشاهد اليوم فِي أنحاء الأرض. وسببه الأول هو التعامل الربوي!
والحقيقة الخامسة: أن الإسلام نظام متكامل. فهو حين يحرم التعامل الربوي يقيم نظمه كلها على أساس الاستغناء عن الحاجة إليه ؛ وينظم جوانب الحياة الاجتماعية بحيث تنتفي منها الحاجة إلى هذا النوع من التعامل ، بدون مساس بالنمو الاقتصادي والاجتماعي والإنساني المطرد.