وقال كثير من أهل الكلام: لا يجوز أن يمتحنهم اللَّه تعالى بعد البعث بالسجود؛ إذ تلك الدار ليست بدار محنة، وإنَّمَا الأمر بالسجود يخرج مخرج التوبيخ؛ وكذلك زعم جعفر بن حرب أن هذا على التوبيخ، يقال للرجل إذا كان مكثرًا فذهب ماله ولم يؤد الزكاة، ولا حج في حال يسره - يراد به التوبيخ -: حج الآن وزَكِّ الآن، ليس يراد به إيجاد الفعل، ولكن يريد به تذكيره وتوبيخه؛ فهذا الذي قالوه يحتمل.
ويحتمل أن يمتحنوا بالسجود للوجوه التي ذكرنا، وهو أن يظهر عند الممتحنين أن منافع سجودهم راجعة إليهم لا إلى اللَّه - تعالى - .
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (فَلَا يَسْتَطِيعُونَ) فجائز أن يكون هذا على نفي استطاعة الأحوال والأسباب أو لا يستطيعون للأشغال التي حلت بهم والأفزاع التي ابتلوا بها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ(43) .
ففيه أن الفرائض إنما تجب عند سلامة الأسباب، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ) .
فجائز أن يكون الحديث هو القرآن، وجائز أن يكون أريد البعث، وهو الغالب أن يكون هو المراد.
وقوله: (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ) قَالَ الْقُتَبِيُّ: الاستدراج هو الاستدناء من المهلكة درجة فدرجة حتى يهلك.
وقيل: (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ) . أي ننعم عليهم وننسيهم شكرها بالإملاء، وينزل بهم العذاب والهلاك أينما كانوا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ(45) .