فمن قال إنه اسم الحوت جعل {القلم} الذي خلقه الله تعالى وأمره فكتب الكائنات وجعل الضمير في {يسطرون} للملائكة ، ومن قال بأن"نون"اسم للدواة ، جعل {القلم} هذا المتعارف بأيدي الناس. نص ذلك ابن عباس وجعل الضمير في {يسطرون} للناس ، فجاء القسم على هذا بمجموع أم الكتاب الذي هو قوام للعلوم والمعارف وأمور الدنيا والآخرة ، فإن القلم أخ اللسان ، ومطية الفطنة ، ونعمة من الله عامة. وروى معاوية بن قرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {ن} لوح من نور ، وقال ابن عباس وغيره: هو حرف من حروف الرحمن ، وقالوا إنه تقطع في القرآن: {الر} [يونس: 1 ، هود: 1 ، يوسف: 1 ، إبراهيم: 1 ، الحجر: 1] و {حم} [غافر: 1 ، فصلت: 1 ، الشورى: 1 ، الزخرف: 1 ، الدخان: 1 ، الجاثية: 1 ، الأحقاف: 1] ، و {ن} ، وقرأ عيسى بن عمر بخلاف"نونَ"بالنصب ، والمعنى: اذكر نونَ ، وهذا يقوى مع أن يكون اسماً للسورة ، فهو مؤنث سمي به مؤنث ، ففيه تأنيث وتعريف ، ولذلك لم ينصرف ، وانصرف نوح ، لأن الخفة بكونه على ثلاثة أحرف غلبت على العجمة ، وقرأ ابن عباس وابن أبي إسحاق والحسن:"نونِ"بكسر النون ، وهذا كما تقول في القسم بالله ، وكما تقول:"جبر"وقيل كسرت لاجتماع الساكنين ، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم:"نونْ"بسكون النون ، وهذا على أنه حرف منفصل فحقه الوقوف عليه ، وقرأ قوم ، منهم الكسائي: {ن والقلم} بالإدغام دون غنة ، وقرأ آخرون بالإدغام وبغنة ، وقرأ الكسائي ويعقوب عن نافع وأبو بكر عن عاصم بالإخفاء بين الإدغام والإظهار. و {يسطرون} معناه: يكتبون سطوراً ، فإن أراد الملائكة فهو كتب الأعمال وما يؤمرون به ، وإن أراد بني آدم ، فهي الكتب المنزلة والعلوم وما جرى مجراها ، وقوله: {ما أنت بنعمة ربك بمجنون} هو جواب القسم و {ما} هنا عاملة لها اسم وخبر ، وكذلك هي