فَتَأَمَّلْ. مَا أَجَلَّ هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ، مَعَ اخْتِصَارِهِمَا، وَمَا أَجْمَعَهُمَا لِقَوَاعِدِ السُّلُوكِ وَلِكُلِّ خُلُقٍ جَمِيلٍ؟ وَفَسَادُ الْخُلُقِ إِنَّمَا يَنْشَأُ مِنْ تَوَسُّطِ الْخَلْقِ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَتَوَسُّطِ النَّفْسِ بَيْنَكَ وَبَيْنَ خَلْقِهِ. فَمَتَى عَزَلْتَ الْخَلْقَ - حَالَ كَوْنِكَ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى - وَعَزَلْتَ النَّفْسَ - حَالَ كَوْنِكَ مَعَ الْخَلْقِ - فَقَدْ فُزْتَ بِكُلِّ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْقَوْمُ. وَشَمَّرُوا إِلَيْهِ. وَحَامُوا حَوْلَهُ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
{بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (6) }
وقد اختلف في تقدير قوله {بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ}
فقال أبو عثمان المازني هو كلام مستأنف والمفتون عنده مصدر أي بأيكم الفتنة والاستفهام عن أمر دائر بين إثنين قد علم انتفاؤه عن أحدهما قطعاً فتعين حصوله للآخر والجمهور على خلاف هذا التقدير وهو عندهم متصل بما قبله ثم لهم فيه أربعة أوجه
أحدها أن الباء زائدة والمعنى أيكم المفتون وزيدت في المبتدأ كما زيدت في قولك بحسبك أن تفعل قاله أبو عبيد.
الثاني أن المفتون بمعنى الفتنة أي ستبصر ويبصرون بأيكم الفتنة والباء على هذا ليست بزائدة قاله الأخفش.
الثالث أن المفتون مفعول على بابه ولكن هنا مضاف محذوف تقديره بأيكم فتون المفتون وليست الباء زائدة قاله الأخفش أيضاً
الرابع أن الباء بمعنى في والتقدير في أي فريق منكم النوع المفتون والباء على هذا ظرفية وهذه الأقوال كلها تكلف ظاهر لا حاجة إلى شيء منه وستبصر مضمن معنى تشعر وتعلم فعدى بالباء كما تقول ستشعر بكذا وتعلم به قال تعالى {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} وإذا دعاك اللفظ إلى المعنى من مكان قريب فلا تجب من دعاك إليه من مكان بعيد. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...