ففي هذه الآية دلالة أن في حكمة اللَّه مشيئة المغفرة والعقاب لمن ارتكب غير الكفر من الزلات، وإيجاب العقاب على من اعتقد الكفر والتزمه، وأن ليس في الحكمة عفو مثله من العقوبة؛ لأنه قال: (أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا) فأثبت فيه خيار الإهلاك ومشيئة الرحمة والمغفرة، ومعلوم بأنه يهلك ومن معه أو يرحم عندما يبتلى بالزلات؛ وكذلك قال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) ؛ فجعل لنفسه مشيئة المغفرة لمن توقَّى الكفر، وحكم بإيجاب العقاب على من أشرك به.
والذي يدل على أن الحكمة توجب ما ذكرنا: أن الكفر لنفسه قبيح لا يحتمل الإطلاق ولا رفع الحرمة؛ لما فيه من السفه؛ لأن من رضي بشتم نفسه فهو سفيه، فعلى ذلك عقوبته لا تحتمل في الحكمة رفعها والعفو عنها.
أو لما كان الكفر لا يحتمل الإباحة ورفع العقوبة، والإفضال بالمغفرة يخرج مخرج الإباحة لذلك - لم يجز القول فيه بالمغفرة والعفو، وسائر المآثم جائز رفع الحرمة عنها.