فقولهم هذا خرج مخرج الاستهزاء، أو الاستخفاف برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فأمر اللَّه - سبحانه وتعالى - نبيه - عليه السلام - أن يجيبهم بالجواب الذي يليق من الحكماء، ولم يأذن له أن يجازيهم باستخفافهم إياه استخفافًا مثله؛ فقال: (قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ(26) يبين لهم أنه لا ينذرهم إلا بالذي أمره به، ولا يبلغ إليهم إلا ما قد أنزل إليه، وأمر بتبليغه، وفي هذه الآية دلالة نبوته، وآية رسالته؛ لأنه لو لم يكن رسولًا - كما زعموا - وكان مختلًقا من تلقاء نفسه، لكن يمكنه أن يحيل ذلك إلى وقت لا يظهر غلطه فيه، ولا كذبه لديهم، وهو أن يحيله إلى وقت لا يعيش إلى مثل ذلك الوقت، فإذا لم يفعل، بل قال: (إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ) دلهم ذلك على رسالته، وأنه إذا كان رسولًا، لم يكن له أن يزيد في الرسالة، ولا أن يتكلف من عنده فيها زيادة؛ كما ذكر في قوله: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) ، أن فيه ما يقرر رسالته عندهم من الوجه الذي يذكر في تلك السورة، إن شاء اللَّه تعالى.
وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ) ، أي: لا أزيد في الإنذار على القدر الذي أمرت به.
وقوله - تعالى -: (فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ(27) .
جائز أن يكون قوله تعالى: (رَأَوْهُ) ، أي: رأوا الذي وعدوا، وقوله: (زُلْفَةً) ، أي: قريبة.
ثم أنث"الزلفة"؛ لما أريد بها الأحوال التي تكون في ذلك اليوم من الأهوال والشدائد، ويكون قوله: (رَأَوْهُ) كناية عن ذلك اليوم، فذكر؛ لأن اليوم مذكر، وجعل"زلفة"بلفظ التأنيث؛ لأنها كناية عن الأهوال التي تكون في ذلك اليوم.