الأول: قال الزمخشريّ: مثل الله عز وجل حال الكفار في أنهم يعاقبون على كفرهم وعداوتهم للمؤمنين معاقبة مثلهم ، من غير إبقاء ولا محاباة ولا ينفعهم مع عداوتهم لهم ما كان بينهم وبينهم من لحمة ونسب ، أو وصلة صهر ، لأن عداوتهم لهم ، وكفرهم بالله ورسوله ، قطع العلائق ، وبت الوصل ، وجعلهم أبعد من الأجانب وأبعد ، وإن كان المؤمن الذي يتصل به الكافر ، نبياً من أنبياء الله ، بحال امرأة نوح وامرأة لوط لما نافقتا وخانتا الرسولين لم يغن الرسولان عنهما ، بحق ما بينهما وبينهما من وصلة الزواج ، إغناءً ما من عذاب الله ، ومثل حال المؤمنين في وصلة الكافرين لا تضرهم ، ولا تنقص شيئاً من ثوابهم وزلفاهم عند الله بحال امرأة فرعون ومنزلتها عند الله تعالى مع كونها زوجة أعدى أعداء الله ، الناطق بالكلمة العظمى . ومريم ابنة عمران ، وما أوتيت من كرامة الدنيا والآخرة والاصطفاء على نساء العالمين ، مع أن قومها كانوا كفاراً . وفي طيّ هذين التمثيلين تعريض بأميّ المؤمنين المذكورتين في أول السورة ، وما فرط منهما من التظاهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بما كرهه ، وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشده ، لما في التمثيل من ذكر الكفر . ونحوه في التغليظ:
{وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97] ، وإشارة إلى أن من حقهما أن تكونا في الإخلاص والكمال فيه كمثل هاتين المؤمنتين ، وأن لا تتكلا على أنهما زوجا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن ذلك الفضل لا ينفعهما إلا مع كونهما مخلصتين . والتعريض بحفصة أرجح ، لأن امرأة لوط أفشت عليه كما أفشت حفصة على رسول الله . وأسرار التنزيل ورموزه في كل باب ، بالغة من اللطف والخفاء حدّاً يدق على تفطن العالم ويزل عن تبصره . انتهى .
الثاني: قال الإمام ابن القيم في"أعلام الموقعين"اشتملت هذه الآيات على ثلاثة أمثال: مثل للكفار ، ومثلين للمؤمنين .