أنه صلى اللّه عليه وسلم قال لها: ألم أقل لك اكتمي عليّ ، قالت: والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي فرحا بالكرامة التي خص اللّه بها أباها. فإن قلت: هلا قيل: فلما نبأت به بعضهن وعرفها بعضه؟ قلت: ليس الغرض بيان من المذاع إليه ومن المعرف ، وإنما هو ذكر جناية حفصة في وجود الإنباء به وإفشائه من قبلها ، وأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بكرمه وحلمه ، لم يوجد منه إلا الإعلام ببعضه ، وهو حديث الإمامة. ألا ترى أنه لما كان المقصود في قوله فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا ذكر المنبأ ، كيف أتى بضميره.
[سورة التحريم (66) : آية 4]
إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (4)
إِنْ تَتُوبا خطاب لحفصة وعائشة على طريقة الالتفات ، ليكون أبلغ في معاتبتهما.
وعن ابن عباس: لم أزل حريصا على أن أسأل عمر عنهما حتى حج وحججت معه ، فلما كان ببعض الطريق عدل وعدلت معه بالإداوة ، فسكبت الماء على يده فتوضأ ، فقلت: من هما؟ فقال:
عجبا يا ابن عباس - كأنه كره ما سألته عنه - ثم قال: هما حفصة وعائشة «1» فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما فقد وجد منكما ما يوجب التوبة ، وهو ميل قلوبكما عن الواجب في مخالصة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من حب ما يحبه وكراهة ما يكرهه. وقرأ ابن مسعود: فقد زاغت وَإِنْ تَظاهَرا وإن تعاونا عَلَيْهِ بما يسوءه من الإفراط في الغيرة وإفشاء سره ، فلن يعدم هو من يظاهره ، وكيف يعلم المظاهر من اللّه مولاه أي وليه وناصره ، وزيادة هُوَ إيذان بأن نصرته عزيمة من عزائمه ، وأنه يتولى ذلك بذاته وَجِبْرِيلُ رأس الكروبيين ، وقرن ذكره بذكره مفردا له من بين الملائكة تعظيما له وإظهارا لمكانته عنده وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ومن صلح من المؤمنين ، يعني: كل من آمن وعمل صالحا. وعن سعيد بن جبير: من بريء منهم من النفاق. وقيل: الأنبياء وقيل: الصحابة. وقيل: الخلفاء منهم. فإن قلت: صالح المؤمنين واحد أم جمع؟ قلت: هو واحد أريد به الجمع ، كقولك: لا يفعل هذا الصالح من الناس ، تريد الجنس ، كقولك: لا يفعله من صلح منهم. ومثله قولك: كنت في السامر والحاضر. ويجوز أن يكون أصله: صالحوا المؤمنين بالواو ، فكتب بغير واو على اللفظ ، لأنّ لفظ الواحد والجمع واحد فيه ، كما جاءت أشياء في المصحف متبوع فيها حكم اللفظ دون وضع الخط وَالْمَلائِكَةُ على تكاثر عددهم ، وامتلاء السماوات من جموعهم بَعْدَ ذلِكَ بعد نصرة اللّه وناموسه وصالحي المؤمنين ظَهِيرٌ فوج مظاهر له ، كأنهم يد واحدة على من يعاديه ، فما يبلغ تظاهر أمرأتين على من هؤلاء
(1) . متفق عليه.