واستعمل هؤلاء في الأسباب التي خلقوا لغاياتها، لا يصلحون لسواها، هؤلاء في الأسباب التي خلقوا لغاياتها، لا يصلحون لسواها.
وحكمته الباهرة تأبى أن يضع عقوبته في موضع لا تصلح له، كما يأبى أن يضع كرامته وثوابه في محل لا يصلح لهما ولا يليق بهما.
بل حكمة آحاد خلقه تأبى ذلك، ومن جعل محل المسك والرجيع واحداً فهو من أسفه السفهاء.
والقدر السابق من الله على عباده لا يمنع العمل، ولا يوجب الاتكال عليه، فالعبد إنما ينال ما قدر له بالسبب الذي أقدر عليه، ومكن منه، وهيئ له.
فإذا أتى بالسبب أوصله إلى القدر الذي سبق له في أم الكتاب.
وكلما زاد اجتهاداً في تحصيل السبب كان حصول المقدور أدنى إليه.
ومن قدر الله أن يرزقه الولد لم ينل ذلك إلا بالنكاح.
ومن قدر الله له أن يكون أعلم أهل زمانه فإنه لا ينال ذلك إلا بالاجتهاد والحرص على التعلم وأسبابه.
ومن عطل العمل، اتكالاً على القدر السابق، فهو بمنزلة من عطل الأكل والشرب، اتكالاً على ما قدر له، وهل يفعل هذا من له مسكة من عقل؟.
وقد فطر الله تبارك وتعالى الإنسان والحيوان على الحرص على الأسباب التي بها مرام معاشهم ومصالحهم الدنيوية.
فهكذا الأسباب التي بها مصالحهم الأخروية، فهو سبحانه رب الدنيا والآخرة، وهو الحكيم بما نصبه من الأسباب في المعاش والمعاد.
وقد يسر كلاً من خلقه لما خلقه له في الدنيا والآخرة، فهو مهيء له ميسر له.
وإذا علم العبد أن مصالح آخرته مرتبطة بالأسباب الموصلة إليها من الإيمان والأعمال الصالحة كان أشد اجتهاداً في فعلها من القيام بها في أسباب معاشه ومصالح دنياه.
وإذا علم العبد أن سلوك هذا الطريق يفضي به إلى رياض مونقة، وبساتين ومساكن طيبة، ولذة ونعيم لا يشوبه نكد ولا تعب، كان حرصه على سلوكها، واجتهاده في السير فيها بحسب علمه بما يفضي إليه.
ومن سبقت له من الله سابقة، وهيأه ويسره للوصول إليها كان فرحه بالسابقة التي سبقت له من الله أعظم من فرحه بالأسباب التي تأتي بها.