وبالجملة: فالحزن المذموم هو ما يخرج بصاحبه إلى ما يذهب عنه الصبر والتسليم لأمر الله ورجاء الثواب، والفرح المنهي عنه هو الذي يطغى على صاحبه ويلهيه عن الشكر، ولذا عقب بقوله: {وَاللَّهُ} سبحانه وتعالى: {لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ} ؛ أي: متكبر بما أوتي من الدنيا {فَخُورٍ} ؛ أي: مبالغ في الفخر به على الناس؛ فإن من فرح بالحظوظ الدنيوية، وعظمت في نفسه اختال، وافتخر بها لا محالة والمختال: المتكبر المعجب وهو من الخيلاء، وهو التكبر من تخيل فضيلة تترائى للإنسان من نفسه؛ أي: لا يحب الله من اتصف بهاتين الصفتين وهما: الاختيال والافتخار، وقيل: المختال الذي ينظر إلى نفسه، والفخور الذي ينظر إلى الناس بعين الاستحقار.
24 -وقوله: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ} ؛ أي: يمسكون أموالهم، ولا يخرجون منها حق الله تعالى؛ فإن البخل إمساك المقتنيات عما يحق إخراجها فيه، ويقابله الجود. {وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} ؛ أي: بإمساك أموالهم عن إخراجها في الحقوق الواجبة بدل من {كُلَّ مُخْتَالٍ} . وقيل: هو مستأنف، لا تعلق له بما قبله، وهو في محل رفع بالابتداء، والخبر مقدر، فيكون بيانا لصفة اليهود.
والمعنى عليه: الذين يبخلون ببيان صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي في كتبهم لئلا يؤمن به الناس فتذهب مأكلتهم، ويأمرون الناس بالبخل به، لهم عذاب شديد، أو فإن الله غني عنهم، ويدل على هذا قوله: {وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} . قال سعيد بن جبير: هم الذين يبخلون بالعلم، ويأمرون الناس بالبخل به لئلا يعلموا الناس تلك المعجزة على يده. انتهى انتهى {حدائق الروح والريحان. 28/ 457 - 493} ...