فكون القرآن كريمًا، في كتاب مَصون، لا تمسُّه إلا الملائكة المطهَّرون، وأنه تنزيل من رب العالمين، حقيقةٌ ثابتةٌ، لا تحتاج إلى قسم يؤكِّدها؛ لأنها أوضح من أن تؤكَّد بقسم.
وقد كان المشركون يزعمون أن القرآن، الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم هو قول كاهن، وقول مجنون، وأنه مفترى على الله سبحانه، من أساطير الأولين، وأنه متقوَّل على الله جل وعلا، تنزَّلت به الشياطين عليه، إلى آخر ذلك من هذه الأقاويل الباطلة، فجاء الجواب من الله تعالى حاسمًا بأنه ليس كما يزعمون ويدَّعون.
وقد مهَّد سبحانه لهذا الجواب ملوِّحًا بالقسم بمواقع النجوم، التي أخبر عن عظمة القسم بها، فقال:
"فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ"*"وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ"
وكأنه سبحانه يقول: لست بحاجة إلى القسم بمواقع النجوم - على عظمتها - أن هذا القرآن كريمٌ؛ لأن كونه كريمًا في ذاته، وفي مصدره، من الحقائق الثابتة، التي لا يتطرق إليها الشك أبدًا، وبالتالي فهو لا يحتاج إلى قسم يؤكده؛ لأنه أوضح وأجلى من أن يحتاج إلى ذلك.
وكذا القول في قوله تعالى:
"فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ *وَمَا لَا تُبْصِرُونَ *إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ *وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ *وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ *تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ" (الحاقة: 38 - 43)
وتعقيبًا على هذه الآيات قال سيد قطب رحمه الله:"إن الأمر لا يحتاج إلى قسم، وهو واضح هذا الوضوح، ثابت هذا الثبوت، واقع هذا الوقوع .. لا يحتاج إلى قسم أنه حق، صادر عن الحق .. وليس شعر شاعر، ولا كهانة كاهن، ولا افتراه مفتر! لا، فما هو بحاجة إلى توكيد بيمين".
فالمقام - إذًا - لا يحتاج إلى قسم، وتوكيد بيمين، فضلاً عن أن المتكلم هو الله جل وعلا؛ ولهذا لمَّا سمع أعرابيٌ قول الله تعالى:
"وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ *فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ" (الذاريات: 22 - 23)