يدعي الدارونيون العلمانيون الدهريون أن الحياة بدأت على الأرض بالمصادفة، وتطورت بالطفرة والانتخاب الطبيعي, وأن الحاجات الحيوية هي التي دفعت الكائنات الحية إلى التطور والتكيف مع البيئة (1) .
إنهم بهذا الفهم المادي البحت للحياة يلغون التدبير الإلهي, والإتقان في الخلق, والهداية في الحياة. وقد رد عليهم سيدنا موسى عليه السلام رداً بليغاً عندما سأله فرعون (قال فمن ربكما يا موسى؟) طه 49. (قال: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) طه 50.
وخلْقه: أي صورته اللائقة بخاصيته ومنفعته (2) .
ثم هدى: أي أرشده إلى ما يصلح له.
وهذه إجابة غاية في البلاغة, والعلم, والإعجاز, فالله خلق كل شيء وهداه لما خُلق له.
قال الشيخ عبد الرحمن بن السعدي رحمه الله (3) :
قال فرعون لموسىعلى وجه الإنكار (فمن ربكما يا موسى) فأجاب موسى بجواب شاف كاف واضح فقال: (ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) أي: ربنا الذي خلق جميع المخلوقات, وأعطى كل مخلوق خلْقه اللائق به, على حسن صنعه من خلقه, من كبر الجسم وصغره, وتوسطه, وجميع صفاته (ثم هدى) : كل مخلوق إلى ما خلقه له, وهذه, الهداية الكاملة المشاهدة في جميع المخلوقات, تجده يسعى لما خلق له من المنافع, وفي دفع المضار عنه, حتى أن الله أعطى الحيوان البهيم, من العقل, ما يتمكن به من ذلك.
وهذا كقوله تعالى: (الذي أحسن كل شيء خلقه) السجدة (7) . فالذي خلق المخلوقات وأعطاها الحسن الذي لا تقترح العقول فوق حسنه, وهداها لمصالحها, هو الرب على الحقيقة, فإنكاره إنكار لأعظم (اليقينات الكونية) وجوداً وهو مكابرة ومجاهرة بالكذب, فلو قدر أن الإنسان أنكر الأمور المعلومة, ما أنكر, كان إنكاره لرب العالمين, أكبر من ذلك.