وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عُنِيَ بِهِ بَحْرُ السَّمَاءِ، وَبَحْرُ الْأَرْضِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ قَالَ {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} وَاللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ إِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ أَصْدَافِ بَحْرِ الْأَرْضِ عَنْ قَطْرِ مَاءِ السَّمَاءِ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ بَحْرُ الْأَرْضِ وَبَحْرُ السَّمَاءِ.
وَقَوْلُهُ: {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ وَبُعْدٌ، لَا يُفْسِدُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَيَبْغِي بِذَلِكَ عَلَيْهِ، وَكُلُّ شَيْءٍ كَانَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَهُوَ بَرْزَخٌ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَمَا بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بَرْزَخٌ.
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ مِنَ اللَّهِ، لَا يَبْغِي أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ»
عَنْ قَتَادَةَ قَالَ:"الْبَرْزَخُ الَّذِي بَيْنَهُمَا: الْأَرْضُ الَّتِي بَيْنَهُمَا"
وقَالَ: «حَجَزَ الْمَالِحَ عَنِ الْعَذْبِ، وَالْعَذْبَ عَنِ الْمَالِحِ، وَالْمَاءَ عَنِ الْيَبَسِ، وَالْيَبَسَ عَنِ الْمَاءِ، فَلَا يَبْغِي بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ بِقُوَّتِهِ وَلُطْفِهِ وَقُدْرَتِهِ»
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: قَالَ: مَنَعَهُمَا أَنْ يَلْتَقِيَا بِالْبَرْزَخِ الَّذِي جَعَلَ بَيْنَهُمَا مِنَ الْأَرْضِ قَالَ: وَالْبَرْزَخُ بُعْدُ الْأَرْضِ الَّذِي جُعِلَ بَيْنَهُمَا""
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: {لَا يَبْغِيَانِ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: لَا يَبْغِي أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّهُمَا لَا يَخْتَلِطَانِ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: لَا يَبْغِيَانِ عَلَى الْيَبَسِ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَاهُ: لَا يَبْغِيَانِ أَنْ يَلْتَقِيَا
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ وَصَفَ الْبَحْرَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُمَا لَا يَبْغِيَانِ، وَلَمْ يُخَصِّصْ وَصْفَهُمَا فِي شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ، بَلْ عَمَّ الْخَبَرَ عَنْهُمَا بِذَلِكَ، فَالصَّوَابُ أَنْ يَعُمَّ كَمَا عَمَّ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، فَيُقَالَ: إِنَّهُمَا لَا يَبْغِيَانِ عَلَى شَيْءٍ، وَلَا يَبْغِي أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، وَلَا يَتَجَاوَزَانِ حَدَّ اللَّهِ الَّذِي حَدَّهُ لَهُمَا.
وَقَوْلُهُ: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}