وقرأ أبو جعفر وزيد بن علي بكسر القاف وجَرِّ الراء وفيها أوجهٌ ، أحدُها: ولم يَذْكُرْ الزمخشريُّ غيرَه أَنْ يكونَ صفةً لأمر . ويرتفعُ"كلُّ"حينئذٍ بالعطفِ على"الساعة"، فيكونُ فاعلاً ، أي: اقتربَتِ الساعةُ وكلُّ أمرٍ مستقرٍ . قال الشيخ:"وهذا بعيدٌ لوجودِ الفصلِ بجملٍ ثلاثٍ ، وبعيدٌ أَنْ يوجدَ مثلُ هذا التركيبِ في كلام العربِ نحو: أكلتُ خبزاً ، وضربْتُ خالداً ، وإن يَجِىءْ زيدٌ أُكْرِمْه ، ورَحَل إلى بني فلان ، ولحماً ، فيكونُ"ولحماً"معطوفاً على"خبزاً"بل لا يوجَدُ مثلُه في كلام العربِ . انتهى". قلت: وإذا دلَّ دليلٌ على المعنى فلا نبالي بالفواصلِ . وأين فصاحةُ القرآن من هذا التركيبِ الذي ركَّبه هو حتى يَقيسَه عليه في المنع؟
الثاني: أَنْ يكونَ"مُسْتقرٍ"خبراً ل"كلُّ أمرٍ"وهو مرفوعٌ ، إلاَّ أنه خُفِضَ على الجِوار ، قاله أبو الفضل الرازي . وهذا لا يجوزُ ؛ لأن الجِوارَ إنما جاء في النعتِ أو العطفِ ، على خلافٍ في إثباته ، كما قدَّمْتُ لك الكلامَ فيه مستوفى في سورةِ المائدة . فكيف يُقال في خبر المبتدأ: هذا ما لا يجوزُ؟ الثالث: أنَّ خبرَ المبتدأ قولُه"حكمةٌ بالغةٌ"أخبر عن كلِّ أمرٍ مستقرٍ بأنَّه حكمةٌ بالغةٌ ، ويكون قولُه:"ولقد جاءهم من الأنباءِ ما فيه مُزْدَجَرٌ"جملةَ اعتراضٍ بين المبتدأ وخبرِه . الرابع: أنَّ الخبرَ مقدرٌ ، فقدَّره أبو البقاء: معمولٌ به ، أو أتى . وقدَّره غيرُه: بالغوه لأنَّ قبلَه {وَكَذَّبُواْ واتبعوا أَهْوَآءَهُمْ} ، أي: وكلُّ أمرٍ مستقرٍّ لهم في القَدَر مِن خيرٍ أو شرٍّ بالغوه .
وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4)