الثالثة: ذكر عند الغضب سبب الإهلاك وهو فتح أبواب السماء وفجر الأرض بالعيون ، وأشار إلى الإهلاك بقوله تعالى: {على أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} [القمر: 12] أي أمر الإهلاك ولم يصرح وعند الرحمة ذكر الإنجاء صريحاً بقوله تعالى: {وَحَمَلْنَاهُ} وأشار إلى طريق النجاة بقوله: {ذَاتِ ألواح} وكذلك قال في موضع آخر: {فَأَخَذَهُمُ الطوفان} [العنكبوت: 14] ، ولم يقل فأهلكوا ، وقال: {فأنجيناه وأصحاب السفينة} [العنبكوت: 15] فصرح بالإنجاء ولم يصرح بالإهلاك إشارة إلى سعة الرحمة وغاية الكرم أي خلقنا سبب الهلاك ولو رجعوا لما ضرهم ذلك السبب كما قال صلى الله عليه وسلم: {يا بنى اركب مَّعَنَا} [هود: 42] وعند الإنجاء أنجاه وجعل للنجاة طريقاً وهو اتخاذ السفينة ولو انكسرت لما ضره بل كان ينجيه فالمقصود عند الإنجاء هو النجاة فذكر المحل والمقصود عند الإهلاك إظهار البأس فذكر السبب صريحاً.
الرابعة: قوله تعالى: {تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا} أبلغ من حفظنا ، يقول القائل اجعل هذا نصب عينك ولا يقول احفظه طلباً للمبالغة.
الخامسة: {بِأَعْيُنِنَا} يحتمل أن يكون المراد بحفظنا ، ولهذا يقال: الرؤية لسان العين.
السادسة: قال: كان ذلك جزاء على ما كفروا به لا على إيمانه وشكره فما جوزي به كان جزاء صبره على كفرهم ، وأما جزاء شكره لنا فباق ، وقرئ: {جَزَاء} بكسر الجيم أي مجازاة كقتال ومقاتلة وقرئ: {لّمَن كَانَ كُفِرَ} بفتح الكاف ، وأما: {كُفِرَ} ففيه وجهان: أحدهما: أن يكون كفر مثل شكر يعدى بالحرف وبغير حرف يقال شكرته وشكرت له ، قال تعالى: {واشكروا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152] وقال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت وَيُؤْمِن بالله} [البقرة: 256] .
ثانيهما: أن يكون من الكفر لا من الكفران أي جزاء لمن ستر أمره وأنكر شأنه ويحتمل أن يقال: كفر به وترك الظهور المراد.