المسألة الثالثة:
قوله تعالى: {فَالْتَقَى الماء} قرئ فالتقى الماءان ، أي النوعان ، منه ماء السماء وماء الأرض ، فتثنى أسماء الأجناس على تأويل صنف ، تجمع أيضاً ، يقال: عندي تمران وتمور وأتمار على تأويل نوعين وأنواع منه والصحيح المشهور: {فَالْتَقَى الماء} وله معنى لطيف ، وذلك أنه تعالى لما قال: {فَفَتَحْنَا أبواب السماء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ} [القمر: 11] ذكر الماء وذكر الانهمار وهو النزول بقوة ، فلما قال: {وَفَجَّرْنَا الأرض عُيُوناً} كان من الحسن البديع أن يقول: ما يفيد أن الماء نبع منها بقوة ، فقال: {فَالْتَقَى الماء} أي من العين فار الماء بقوة حتى ارتفع والتقى بماء السماء ، ولو جرى جرياً ضعيفاً لما كان هو يلتقي مع ماء السماء بل كان ماء السماء يرد عليه ويتصل به ، ولعل المراد من قوله:
{وَفَارَ التنور} [هود: 40] مثل هذا.
وقوله تعالى: {على أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} فيه وجوه الأول: على حال قد قدرها الله تعالى كما شاء الثاني: على حال قدر أحد الماءين بقدر الآخر الثالث: على سائر المقادير ، وذلك لأن الناس اختلفوا ، فمنهم من قال: ماء السماء كان أكثر ، ومنهم من قال: ماء الأرض ، ومنهم من قال: كانا متساويين ، فقال: على أي مقدار كان ، والأول إشارة إلى عظمة أمر الطوفان ، فإن تنكير الأمر يفيد ذلك ، يقول القائل: جرى على فلان شيء لا يمكن أن يقال إشارة إلى عظمته ، وفيه احتمال آخر ، وهو أن يقال: التقى الماء ، أي اجتمع على أمر هلاكهم ، وهو كان مقدوراً مقدراً ، وفيه رد على المنجمين الذين يقولون إن الطوفان كان بسبب اجتماع الكواكب السبعة حول برج مائي ، والغرق لم يكن مقصوداً بالذات ، وإنما ذلك أمر لزم من الطوفان الواجب وقوعه ، فقال: لم يكن ذلك إلا لأمر قد قدر ، ويدل عليه أن الله تعالى أوحى إلى نوح بأنهم من المغرقين.
وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13)