وقيل: هذا الذي ينذر مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - هو من النذر التي في اللوح المحفوظ، أي: مما ينذر به، واللَّه أعلم.
قوله تعالى: (أَزِفَتِ الْآزِفَةُ(57)
أي: قربت القيامة؛ سمى اللَّه - سبحانه وتعالى - القيامة بأسماء مختلفة: مرة الآزفة، ومرة: الساعة، ومرة: القيامة؛ فسماها: آزفة؛ لقربها إلى الخلق ووقوعها عليهم، وكذلك الساعة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ(58)
دلت الآية على أن اللَّه - تعالى - لم يؤت علم قيام الساعة ووقوعها أحدًا، وهو كقوله تعالى: (لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ) ، وللباطنية أدنى تعلق في هاتين الآيتين؛ لأنهم قالوا: إن الآخرة للحال كائنة، لكنها مختفية مستترة، تظهر وتكشف عند فناء هذه الأجسام، وذهاب هذه الأبدان؛ ويستدلون بقوله - تعالى - (لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ) ، وبقوله - تعالى -
(لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ) ، ويقولون: إن لفظ التجلي والكشف إنما يستعملان فيما هو كائن ثابت يظهر عند ارتقاع التواتر، وما يخفيها إلا في الإنشاء ابتداء.
ولكن عندنا: أن حرف الكشف والتجلي يستعمل في ابتداء الإحداث والإنشاء، وفي إظهار ما كان كامنا خفيًّا، فإذا كان كذلك، بطل استدلالهم بذلك، وهو كقوله - تعالى -: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) ، هو عالم بما كان خفيًّا بحق الخلق وما هو شاهد ظاهر، وعالم بما يكون وبما هو كائن للحال، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ(59) وَتَضْحَكُونَ)
كانوا تعَجَّبوا من أمرين:
أحدهما: من بعث الرسل؛ كقوله - تعالى -: (بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ) .
ومن البعث بعدما يفنون ويتلفون؛ كقوله - تعالى - (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا...) الآية.