ثم يقال لهذا القائل: لو كلفت أن تنقل عن واحد من السلف أنه قال: اللهم ثواب هذا الصوم لفلان لعجزت، فإن القوم كانوا أحرض شيء على كتمان أعمال البر فلم يكونوا ليشهدوا على اللّه بإيصال ثوابها إلى أمواتهم.
فإن قيل: فرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أرشدهم إلى الصوم والصدقة والحج دون القراءة.
قيل هو صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يبتدئهم بذلك بل خرج ذلك منه مخرج الجواب لهم فهذا سأله عن الحج عن ميتة فأذن له، وهذا سأله عن الصيام عنه فأذن له، وهذا سأله عن الصدقة فأذن له، ولم يمنعهم مما سوى ذلك.
وأي فرق بين وصول ثواب الصوم الذي هو مجرد نية وإمساك بين وصول ثواب القراءة والذكر.
والقائل أن أحدا من السلف لم يفعل ذلك قائل ما لا علم له به، فإن هذه شهادة على نفي ما لم يعلمه، فما يدريه أن السلف كانوا يفعلون ذلك ولا يشهدون من حضرهم عليه، بل يكفي اطلاع علّام الغيوب على نياتهم ومقاصدهم لا سيما والتلفظ بنيّة الإهداء لا يشترط كما تقدم.
وسر المسألة أن الثواب ملك للعامل، فإذا تبرع به وأهداه إلى أخيه المسلم أوصله اللّه إليه، فما الذي خص من هذا ثواب قراءة القرآن، وحجر على العبد أن يوصله إلى أخيه، وهذا عمل سائر الناس حتى المنكر في سائر الأعصار والأمصار من غير نكير من العلماء.
فإن قيل: فما تقولون في الإهداء إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم؟
قيل: من الفقهاء المتأخرين من استحبه ومنهم لم يستحبه ورآه بدعة، فإن الصحابة لم يكونوا يفعلونه، وأن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم له أجر كل من عمل خيرا من أمته من غير أن ينقص من أجر العامل شيء، لأنه هو الذي دل أمته على كل خير وأرشدهم ودعاهم إليه، ومن دعا إلى هدى فله من الأجر مثل من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء، وكل هدى وعلم فإنما نالته أمته على يده فله مثل أجر من اتبعه أهداه إليه أو لم يهده.
واللّه أعلم. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...