وأما قوله: اللهم إن كنت أثبتني على هذا فاجعل ثوابه لفلان، فهو بناء على أن الثواب يقع للعامل ثم ينتقل منه إلى من أهدى له، وليس كذلك بل إذا قوي حال الفعل أنه عن فلان وقع الثواب أولا عن المعمول له كما لو أعتق عبده عن غيره لا تقول إن الولاء يقع للمعتق ثم ينتقل منه إلى المعتق عنه فهكذا هذا.
وباللّه التوفيق.
فإن قيل: فما الأفضل أنه يهدي إلى الميت؟ قيل: الأفضل ما كان أنفع في نفسه، فالعتق عنه والصدقة أفضل من الصيام عنه، وأفضل الصدقة ما صادفت حاجة من المتصدق عليه وكانت دائمة مستمرة، ومنه قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «أفضل الصدقة سقي الماء» وهذا موضع يقل فيه الماء ويكثر فيه العطش وإلا فسقي الماء على الأنهار لا يكون أفضل من إطعام الطعام عند الحاجة، وكذلك الدعاء والاستغفار له إذا كان يصدق من الداعي وإخلاص وتضرع فهو في موضعه أفضل من الصدقة عنه، كالصلاة على الجنازة والوقوف لدعاء على قبره.
وبالجملة فأفضل ما يهدي إلى الميت العتق والصدقة والاستغفار له والدعاء له والحج عنه.
وأما قراءة القرآن وإهداؤها له تطوعا بغير أجرة فهذا يصل إليه كما يصل ثواب الصوم والحج.
فإن قيل: فهذا لم يكن معروفا في السلف ولا يمكن نقله عن واحد منهم مع شدة حرصها على الخير ولا أرشدهم النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم إليه، وقد أرشدهم إلى الدعاء والاستغفار والصدقة والحج والصيام فلو كان ثواب القراءة يصل لأرشدهم إليه لكانوا يفعلونه.
فالجواب أن مردود هذا السؤال إن كان معترفا بوصول ثواب الحج والصيام والدعاء والاستغفار.
قيل له ما هذه الخاصية التي منعت وصول ثواب القراءة واقتضت وصول ثواب القرآن واقتضت وصول ثواب هذه الأعمال وهل هذا إلا تفريق بين المتماثلات، وإن لم يعترف بوصول تلك الأشياء إلى الميت فهو محجوج بالكتاب والسنّة والإجماع وقواعد الشرع.
وأما السبب الذي لأجله لم يظهر ذلك في السلف فهو أنهم لم يكن لهم أوقاف على من يقرأ ويهدي إلى الموتى، ولا كانوا يعرفون ذلك البتة، وكانوا يقصدون القبر للقراءة عنده كما يفعله الناس اليوم، ولا كان أحدهم يشهد من حضره من الناس على أن ثواب هذه القراءة لفلان الميت بل ولا ثواب هذه الصدقة والصوم.