قال لها: نعم، لك ذلك، ولكن أشترط عليك أن لا تحجبي وجهك عني، لأنظر إليك غدوة وعشيا.
قالت: نعم.
فأخذ عصاه التي كان يخطب عليها، وأقبل بها على الخنازير، يزجرها لتمشي للمرعى.
وجرى هذا كله وأصحابه نيام، فلما استيقظوا من نومهم طلبوا الشيخ فلم يجدوه، فسألوا عنه الراهب، فأعلمهم بالقصة.
قال: فمنهم من خرّ مغشيا عليه، ومنهم من بكى وناح، ومنهم من تأسف على ما حلّ به.
ثم قالوا للراهب: وأين هو؟.
قال لهم: يرعى الخنازير.
قال: فمضينا إليه، فوجدناه متكئا على عصاه التي كان يخطب عليها وهو يزجر بها الخنازير، وقلنا له: يا سيّدنا، ما هذا البلاء الذي حلّ بك.
وجعلنا نذكّره فضل القرآن والإسلام، وفضل محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقرأنا عليه القرآن والحديث.
فقال لنا: إليكم عني، فأنا أعلم بما تذكرونني به منكم، ولكن قد نزل بي البلاء من عند رب العالمين.
قال: فكلما عالجناه ليسير معنا، ما قدرنا عليه، فمضينا إلى مكة وتركناه، وفي قلوبنا منه حسرة.
وقضينا حجنا ورجعنا نريد بغداد، فلما صرنا إلى ذلك الموضع، فقلنا: تعالوا ننظر ما فعل الشيخ، لعله ندم وتاب إلى الله عز وجلّ، ورجع عما كان فيه.
قال: فذهبنا إليه، فوجدناه على حالته، وهو يزجر الخنازير، فسلمنا عليه وذكّرناه، وقرأنا عليه القرآن، فما ردّ علينا شيئا، فانصرفنا عنه وفي قلوبنا منه حسرة عظيمة.
قال: فلما صرنا على بعد من الدير، وإذا نحن بسواد قد أقبل علينا من ناحية الدير، وهو يصيح علينا، فوقفنا له، فإذا هو صاحبنا الشيخ قد لحق بنا.
وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، وأنا قد تبت إلى الله، ورجعت عما كنت فيه، وما كنت فيه، وما كان ذلك إلا من ذنب كان بيني وبين ربي عاقبني به، فكان من البلاء ما رأيتم.
قال: فسررنا بذلك غاية السرور، وجئنا إلى بغداد، وأقبل الشيخ على العبادة والاجتهاد أكثر مما كان عليه قبل ذلك، فبينما نحن في دار الشيخ نقرأ عليه، وإذا نحن بامرأة قد قرعت الباب، فخرجنا إليها وقلنا لها: ما حاجتك أيتها المرأة؟
قالت: أريد الشيخ وقولوا: إن فلانة بنت فلان الراهب قد جاءت لتسلم على يديك، فأذن لها بالدخول، فدخلت، وقالت: يا سيدي جئت لأسلم على يديك.
فقال لها الشيخ: وما كانت القصة.