وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين: إنما كنتم بالأمس تعملون معنا فنزلت وقاله زيد بن أسلم وابنه ؛ وهو كقوله تعالى: {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأختين إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 23] .
وقيل: اللّمم هو أن يأتي بذنب لم يكن له بعادة ؛ قاله نفطويه.
قال: والعرب تقول ما يأتينا إلاَّ لِمَاماً ؛ أي في الحين بعد الحين.
قال: ولا يكون أن يلمّ ولا يفعل ، لأن العرب لا تقول ألمّ بنا إلا إذا فعل الإنسان لا إذا همّ ولم يفعله.
وفي الصحاح: وألمّ الرجل من اللمم وهو صغائر الذنوب ، ويقال: هو مقاربة المعصية من غير مواقعة.
وأنشد غير الجوهري:
بِزينَب أَلْمِمْ قَبْلَ أن يَرْحَلَ الرَّكبُ ...
وقُلْ إِنْ تَمَلِّينَا فما مَلَّكِ الْقَلْبُ
أي اقرب.
وقال عطاء بن أبي رباح: اللّمم عادة النفس الحين بعد الحين.
وقال سعيد بن المسيّب: هو ما ألمّ على القلب ؛ أي خطر.
وقال محمد بن الحنفية: كلّ ما هممت به من خير أو شر فهو لَمَم.
ودليل هذا التأويل قوله عليه الصلاة والسلام:"إن للشيطان لَمّة وللملَك لَمَّة"الحديث.
وقد مضى في"البقرة"عند قوله تعالى: {الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر} [البقرة: 286] .
وقال أبو إسحاق الزجاج: أصل اللّمم والإلمام ما يعمله الإنسان المرة بعد المرة ولا يتعمق فيه ولا يقيم عليه ؛ يقال: ألممت به إذا زرته وانصرفت عنه ، ويقال: ما فعلته إلا لمَمَاً وإلماماً ؛ أي الحين بعد الحين.
وإنما زيارتك إلمام ، ومنه إلمام الخيال ؛ قال الأعشى:
أَلَمّ خَيَالٌ مِن قُتَيْلَةَ بَعْدَمَا ...
وَهَى حَبْلُها مِن حَبْلِنَا فَتَصَرَّمَا
وقيل: إلا بمعنى الواو.
وأنكر هذا الفرّاء وقال: المعنى إلا المتقارب من صغار الذنوب.
وقيل: الَّلمم النظرة التي تكون فجأة.
قلت: هذا فيه بعدٌ إذ هو معفوّ عنه ابتداء غير مؤاخذ به ؛ لأنه يقع من غير قصد واختيار ، وقد مضى في"النور"بيانه.