وقال قوم: اللَّمَمُ على القول الثاني من جنس الفواحش والاستثناء وقع من الجنس، ومعنى الآية: إلا أن يلم بالفاحشة ثم يتوب، ويقع الوقعة ثم ينتهي، واسم اللممِ يدل على التوبة والانتهاء, لأنه إنما يسمى لمما إذا لم يمعن فيه، والصحيح هو الأول؛ لأن هذا يؤدي إلى إباحة اللمم. وذكر في الآية قولان آخران:
أحدهما: أن اللمم ما سلف في الجاهلية من الذنوب، وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين، إنما كنتم بالأمس تعملون معنا ما نعمل، فأنزل اقه هذه الآية، وهو قول زيد بن ثابت، وزيد بن أسلم، ورواية عن علي ابن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: {إِلَّا اللَّمَمَ} إلا ما قد سلف في الجاهلية، واللمم على هذا القول ما ألموا به من الذنوب والفواحش في الجاهلية.
القول الثاني: هو قول عبد الله بن عمرو قال: اللمم ما دون الشرك، وعلى هذا القول: الكبائر والفواحش موجبات الشرك.
والناس على القولين الأولين، واختار أبو إسحاق الثاني منهما، قال: اللمم هو أن يكون الإنسان قد ألم بالمعصية ولم يصر ولم يُقم على ذلك، والإلمام في اللغة يوجب أنك تأتي الشيء في الوقت ولا تقيم عليه. فهذا معنى اللمم في هذا الموضع يدل عليه قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} قال ابن عباس: لمن فعل ذلك وتاب، وتم الكلام هاهنا.
ثم قال قوله: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ}
قال ابن عباس: هو أعلم بكم قبل أن يخلقكم: {إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} قال: يريد ما كان من خلق آدم ميت تراب.
قوله تعالى: {وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} أجنة جمع جنين، وهو الولد ما دام في البطن، سمي جنينًا لأنه مستور، ومنه سمي المدفون جنينًا لأنه مستور بالتراب، قال عمرو:
وَلاَ شَمْطَاءُ لم يترك شقَاها ... لَهَا من تسعةٍ إلا جَنينا
أي إلا دفينًا في قبره.