أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ قال ابن كثير: أي: إنما يأتمر بهواه، فمهما رآه حسنا فعله، ومهما رآه قبيحا تركه، وقال النسفي: أي: هو مطاوع لهوى النفس، يتّبع ما تدعوه إليه، فكأنه يعبده كما يعبد الرجل إلهه وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ أي: أضله الله لعلمه أنه يستحق ذلك، أو أضله الله بعد بلوغ العلم إليه، وقيام الحجة عليه وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ. فلا يقبل وعظا وَقَلْبِهِ فلا يعتقد حقا وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فلا يبصر عبرة، فهو لا يسمع ما ينفعه في أمر دينه ودنياه وآخرته، ولا يعي شيئا يهتدي به، ولا يرى حجة يستضئ
بها، ولهذا قال تعالى: فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أي: من بعد إضلال الله إياه أَفَلا تَذَكَّرُونَ فتتعظون، فأصل الشر متابعة الهوى، والخير كله في مخالفته.
كلمة في السياق: [حول تفصيل السورة لأسباب عقوبة الله للكافرين]
(رأينا قبل أن محور السورة هو الآيات السبع الأولى من سورة البقرة والتي فيها:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ وقد رأينا في الآية التي مرّت معنا أن سبب هذا الختم هو اتباع الهوى، وقد رأينا كذلك في السورة من قبل سبب الضلال، من إفك، وإثم، واستكبار، فالسورة إذن تفصّل في أسباب عقوبة الله للكافرين، إذ يختم على قلوبهم، وعلى سمعهم، وعلى أبصارهم، وتحدّد للمؤمنين موقفهم منهم وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ .. وتبين عدم استواء هؤلاء وهؤلاء في الدنيا والآخرة، وتبيّن ما لهؤلاء وهؤلاء في الدنيا والآخرة. وبعد أن بيّن الله عزّ وجل سبب ضلال الكفار - وهو اتباع الهوى - يعرض علينا شبهة من شبههم التي يتكئون عليها في كفرهم باليوم الآخر، وذلك هو علّة أمراضهم.