لأنه أراد بشيء جاريةً يقال لها: عنبة ، والمعنى: اتخذ ذلك الشيء هزواً إلا أنه تعالى قال: {اتخذها} للإشعار بأن هذا الرجل إذا أحس بشيء من الكلام أنه من جملة الآيات المنزلة على محمد صلى الله عليه وسلم خاض في الاستهزاء بجميع الآيات ولم يقتصر على الاستهزاء بذلك الواحد وقوله تعالى {أولئك لهم عذاب مهين} أي: ذو إهانة إشارة إلى معنى {كل أفاك أثيم} (الشعراء: (
ليدخل فيه جميع الأفاكين ، فحمل أولاً على لفظها فأفراد ثم على معناها فجمع كقوله تعالى {كل حزب بما لديهم فرحون} (الروم: (
ثم وصف تعالى كيفية ذلك العذاب فقال:
{من ورائهم} أي: أمامهم لأنهم في الدنيا {جهنم} قال الزمخشري: والوراء اسم للجهة التي يواريها الشخص من خلف أو قدام قال:
*أليس ورائي إن تراخت منيتي ** أدبّ مع الولدان أزحف كالنسر*
ومنه قوله تعالى {من ورائهم} أي: من قدامهم ا.ه ثم بين تعالى أن ما سلكوه في الدنيا لا ينفعهم بقوله تعالى: {ولا يغني} أي: ولا يدفع {عنهم ما كسبوا} من الأموال في رحلهم ومتاجرهم والأولاد {شيئاً} من الإغناء. وقوله تعالى: {ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء} أي: من الأوثان عطف على {ما كسبوا} و {ما} فيهما إما مصدرية ، أو بمعنى الذي أي: لا يغني عنهم كسبهم ولا اتخاذهم أو الذي كسبوه ولا الذي اتخذوه {ولهم عذاب عظيم} أي: لا يدع جهة من جهاتهم ولا زماناً من أزمانهم ولاعضواً من أعضائهم إلا ملأه ، فإن قيل: قال تعالى في الأول {مهين} وفي الثاني {عظيم} فما الفرق بينهما ؟
أجيب: بأن كون العذاب مهيناً يدل على حصول العذاب مع الإهانة ، وكونه عظيماً يدل على كونه بالغاً إلى أقصى الغايات في الضرر وقوله تعالى: