وثالثها: أن يكون معنى الآية الإخبار عن إنه لا أحد أخذ بثأرهم ولا انتصر لهم لأن العرب كانت لا تبكي على قتيل إلا بعد الأخذ بثاره وقتل من كان بواء به من عشيرة القاتل فكني تعالى بهذا اللفظ عن فقد الانتصار والأخذ بالثار على مذهب القوم الذين خوطبوا بالقرآن ..
ورابعها: أن يكون ذلك كناية عن أنه لم يكن لهم في الأرض عمل صالح يرفع منها إلى السماء ويطابق هذا التأويل ما روي عن ابن عباس في قوله تعالى (ما بكت عليهم السماء والأرض) قيل له أوَيبكيان على أحد قال نعم مصلاه في الأرض ومصعد عمله في السماء ..
وروى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من مؤمن إلا وله باب يصعد منه عمله وباب ينزل منه رزقه فإذا مات بكيا عليه ومعنى البكاء ههنا الإخبار عن الاختلال بعده كما يقال بكى منزل فلان بعده ..
قال ابن مقبل لعمر أبيك لقد شاقني مكان حزنت له أو حزن ..
وقال مزاحم العقيلي:
[[بكت دارهم من أجلهم فتهللت ... دموعي فأي الجازعين ألوم
أمستعبرا يبكي من الهون والبلا وآخر يبكي شجوة ويئيم]]
فإذا لم يكن لهؤلاء القوم الذين أخبر الله عن بوارهم مقام صالح في الأرض ولا عمل كريم يرفع إلى السماء جاز أن يقال فما بكت عليهم السماء والأرض ..
ويمكن في الآية وجه خامس وهو أن يكون البكا فيها كناية عن المطر والسقيا لأن العرب تشبه المطر بالبكاء ويكون معنى الآية أن السماء لم تسق قبورهم ولم تجد عليهم بالقطر على مذهب العرب المشهور في ذلك لأنهم كانوا يستسقون السحاب لقبور من فقدوه من أعزائهم ويستنبتون لمواضع حفرهم الزهر والرياض ..
قال النابغة:
[[فما زال قبر بين تبني وجاسم عليه ... من الوسمى طل ووابل
فينبت حوذانا وعوفا منورا ... سأتبعه من خير ما قال قائل
وكانوا يجرون هذا الدعاء مجرى الاسترحام ومسألة الله لهم الرضوان
والفعل الذي أضيف إلى السماء وإن كان لا يجوز إضافته إلى الأرض فقد يصح عطف الأرض على السماء بأن
يقدر لها فعل يصح نسبته إليها والعرب تفعل مثل هذا ..
قال الشاعر:
يا ليت زوجك قد غدا ... متقلدا سيفا ورمحا
فعطف الرمح على السيف وإن كان التقلد لا يجوز فيه لكنه أراد حاملا رمحا ومثل هذا يقدر في الآية فيقال إنه تعالى أراد أن السماء لم تسق قبورهم وإن الأرض لم تعشب عليها وكل هذا كناية عن حرمانهم رحمة الله ورضوانه. انتهى انتهى {أمالي المرتضى} ...