{ولن ينفعكم اليوم} قولان أحدهما: أنه ملفوظ به وهو أنكم وما في حيزها والتقدير: ولن ينفعكم اشتراككم في العذاب بالتأسي كما ينفعكم الاشتراك في مصائب الدنيا فيتأسى المصاب بمثله ومنه قول الخنساء:
*ولولا كثرة الباكين حولي ** على موتاهم لقتلت نفسي*
*وما يبكون مثل أخي ولكن ** أعزي النفس عنه بالتأسي*
والثاني: أنه مضمر فقدره بعضهم ضمير التمني المدلول عليه بقوله: {يا ليت بيني} أي: لن ينفعكم تمنيكم البعد وبعضهم اجتماعكم وبعضهم ظلمكم وجحدكم ، وعبارة من عبر بأن الفاعل محذوف مقصوده الإضمار المذكور لا الحذف إذ الفاعل لا يحذف إلا في مواضع ليس هذا منها والمعنى: ولن ينفعكم اليوم في الآخرة {إذ ظلمتم} أي: أشركتم في الدنيا {أنكم في العذاب مشتركون} أي: لا ينفعكم الاشتراك في العذاب ولا يخفف الاشتراك عنكم لأن لكل واحد من الكفار والشياطين الحظ الأوفر من العذاب كما كنتم تشتركون في الدنيا.
تنبيه: استشكل المعربون هذه الآية ووجهه أن قوله تعالى: {اليوم} ظرف حالي وإذ ظرف ماضي وينفعكم مستقبل لاقترانه بلن التي لنفي المستقبل ، والظاهر أنه عامل في الظرفين وكيف يعمل الحدث المستقبل الذي لم يقع إلا بعد في ظرف حالي وماض هذا مما لا يجوز ؟
أجيب: عن أعماله في الظرف الحالي على سبيل قربه منه لأن الحال قريب من الاستقبال فيجوز في ذلك قال تعالى: {فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً} (الجن: (
وقال الشاعر:
*سأسعى الآن إذ بلغت أباها ** وهو إقناعي وإلا فالمستقبل*