وقوله: {وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ} [الدخان: 27] كلمة (نعمة) أيضاً وردتْ بفتح النون مرتين كما هنا، ووردت بكسر النون مثل
{اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ..} [البقرة: 40] في 34 موضعاً إما مُفردةً وإما مُضافةً إلى الله، ووردتْ نعمتي ونعمتك ونعمته للغائب.
والفرق بينهما أن نعمة بالكسر تعني: ما يتنعَّم به، ولكن يلاحظ أن المتنعم به أشياء خارجة عن الذات، فمرة توجد النِّعمة وتُوجد القدرة على التنعُّم بها. ومرة توجد النِّعمة ولا توجد القدرة على التنعّم بها. أما النَّعمة بالفتح فتعني وجود النِّعمة، ووجود القدرة على التنعُّم بها.
وقوله {كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ} [الدخان: 27] من التفكُّه والتلذُّذ، مأخوذة من الفاكهة وهي تدلُّ على الرفاهية، لأن الطعام منه أشياء ضرورية أساسية، وهي التي بها قِوَام الحياة واستبقاؤها، وطعام آخر للترف والمتعة كالفاكهة تُؤكل بعد الطعام.
وهذه الأشياء التي تؤكل للترف والمتعة يمكن الاستغناء عنها لأنها ليستْ من الضروريات، بدليل أن كثيراً من الناس لا يعرفون أكل الفاكهة وهم أحياء يُرزقون. إذن: كانوا في رفاهية من العيش وفي متعة فضلاً عن الضروريات.
{كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ}
{كَذَلِكَ} [الدخان: 28] يعني: مثل هذا، سلبها الله منهم وأعطاها لغيرهم، ولو سُلِبَتْ منهم فقط لكانتْ أخفَّ عليهم، إنما سُلِبَتْ منهم وأُعطيَتْ لغيرهم فهذا أنكى.
لذلك الذي جعل الحسد مذموماً أن الحاسد يتمنى زوال النعمة عن الغير ولو لم تأتِ إليه، المهم أنْ تذهبَ عن فلان لأنه يكره النعمة عنده، وحين يكره النعمة تكرهه ولا تأتيه.
ومقابل الحسد الغبطة، وهي أنْ تحبَّ النعمة عند الغير، وتتمنَّى مثلها لنفسك، وحين تحب النعمة تحبك وتأتيك ساعة تقول:"اللهم بارك له فيها، وأنعِمْ عليَّ بمثلها".,
لكن مَنْ هم القوم الآخرون الذين ورثوا النعمة بعد قوم فرعون؟ هم بنوا إسرائيل القوم الذين عُذِّبوا، الذين ذبحتم أبناءهم واستحييْتُم نساءهم، ومطلق التذبيح فيه إذلال وإهانة، وأفظع منها ما يُفعل بالنساء بعد موت الرجال؛ لذلك كان العرب إذا خرجوا للحرب أخذوا معهم نساءهم كيْلا يتركُوهنّ للأعداء لو نزلتْ بهم الهزيمة.
{فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَآءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ}