[التوبة: 43] فمَنِ الذي أخبرنا بهذا التصويب وبهذا العتاب؟ إنه رسول الله الصادق في البلاغ عن ربه.
إذن: الحق سبحانه صوَّب لنبيه موسى عليه السلام وقال له {وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً} [الدخان: 24] لأنِّي أريد أنْ أُهلك فرعون وجنوده بنفس الشيء الذي نجَّيتك به، وهذه من طلاقة قدرة الله، ففرعون لا بدّ أنْ يغترّ بهذا الطريق اليابس الذي يراه وسوف يعبره خلفك.
وفعلاً ما أنْ وصل موسى إلى الناحية الأخرى من البحر حتى كان فرعونُ في وسطه، وعندها أمر الله الماء أنْ يعود إلى استطراقه وسيولته، وأغرقَ فرعونَ وجنوده {إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ} [الدخان: 24] ؛ فبطلاقة القدرة أنجى الله سبحانه وأهلك بالشيء الواحد.
ثم يُبيِّن لنا الحق سبحانه ما كان فيه هؤلاء من النعمة، وما آلوا إليه من النقمة والعذاب:
{كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ ...} .
{كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} * {وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} * {وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ}
يعني: بعد أنْ أغرقهم الله تركوا هذا النعيم، (كَمْ) خبرية تفيد الكثرة {مِن جَنَّاتٍ} [الدخان: 25] حدائق وبساتين نضرة {وَعُيُونٍ} [الدخان: 25] يعني: عيون الماء العذب الذي يجري خلال هذه البساتين.
{وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} [الدخان: 26] مَقام بفتح الميم اسم مكان القيام إذا كنت جالساً، قمت، واسم مكان الإقامة مُقام بضم الميم لموضع الإقامة، والمُقام لا يُوصف بأنه كريم إلا إذا توفرتْ لمن يقيم فيه سُبل الراحة والرفاهية، فالمقام نفسه فيه كرم. يعني: يجمع لصاحبه كلَّ وسائل الخير حين يقوم وحين يجلس.
وكأن الخير تابع له مطيع لأوامره، ولا يكون ذلك إلا إذا كان له تابعون وهو متبوع، وهؤلاء التابعون يؤدون له أوامره في قيامه وفي قعوده.
والإنسان حينما يكون قاعداً أو نائماً أو مضطجعاً ما الذي يجعله يقوم؟ أمر جَدَّ عليه فأقامه، وهذا الأمر نوعان: إما خير يُفرحه ويهشّ إليه فيقوم له مثل حبيب أو صديق غائب وهو يعود، أو أمر يُحزنه ويفزعه فيقوم له.
كما وردتْ كلمة (مُقام) بضم الميم، وهي بمعنى مكان الإقامة في قوله تعالى:
{إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً} [الفرقان: 66] ، وفي قوله تعالى:
{خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً} [الفرقان: 76] .