ووصف الله سبحانه هذه الليلة ، بأنها مباركة لنزول القرآن فيها ، وهو مشتمل على مصالح الدين والدنيا ، ولكونها تتنزّل فيها الملائكة ، والروح كما سيأتي في سورة القدر ، ومن جملة بركتها ما ذكره الله سبحانه ها هنا بقوله: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} ، ومعنى يفرق: يفصل ، ويبين من قولهم: فرقت الشي أفرقه فرقاً ، والأمر الحكيم: المحكم ، وذلك أن الله سبحانه يكتب فيها ما يكون في السنة من حياة وموت ، وبسط وقبض ، وخير وشرّ ، وغير ذلك ، كذا قال مجاهد ، وقتادة ، والحسن ، وغيرهم.
وهذه الجملة إما صفة أخرى لليلة ، وما بينهما اعتراض ، أو مستأنفة لتقرير ما قبلها.
قرأ الجمهور: {يفرق} بضمّ الياء ، وفتح الراء مخففاً ، وقرأ الحسن ، والأعمش ، والأعرج بفتح الياء وضم الراء ، ونصب كل أمر ، ورفع حكيم على أنه الفاعل.
والحق ما ذهب إليه الجمهور من أن هذه الليلة المباركة هي: ليلة القدر لا ليلة النصف من شعبان ، لأن الله سبحانه أجملها هنا ، وبينها في سورة البقرة بقوله: {شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنزِلَ فِيهِ القرآن} [البقرة: 185] وبقوله في سورة القدر: {إِنَّا أنزلناه فِى لَيْلَةِ القدر} [القدر: 1] ، فلم يبق بعد هذا البيان الواضح ما يوجب الخلاف ، ولا ما يقتضي الاشتباه {أَمْراً مّنْ عِنْدِنَا} قال الزجاج ، والفراء: انتصاب {أمراً} ب {يفرق} ، أي: يفرق فرقاً ، لأن أمراً بمعنى: فرقاً.
والمعنى: إنا نأمر ببيان ذلك ونسخه من اللوح المحفوظ ، فهو على هذا منتصب على المصدرية مثل قولك: يضرب ضرباً.
قال المبرد: {أمراً} في موضع المصدر ، والتقدير: أنزلناه إنزالاً.
وقال الأخفش: انتصابه على الحال ، أي: آمرين.
وقيل: هو منصوب على الاختصاص ، أي: أعني بهذا الأمر أمراً حاصلاً من عندنا ، وفيه تفخيم لشأن القرآن ، وتعظيم له.