فالماضي والحاضر والمستقبل في حقنا نحن البشر، أمَّا في حَقِّ الله تعالى فالزمن كله سواء، فحين تقرأ مثلاً
{وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} [الأحزاب: 50] تقول: كان ولا يزال وسيكون في المستقبل، لأنه ما دام كان في الأزل، وهو سبحانه لا يعتريه تغيير فهو من الأزل إلى الأبد غفور رحيم.
وقوله تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان: 4] أي: في هذه الليلة {يُفْرَقُ} [الدخان: 4] بمعنى يُوضَّح ويُفصَّل ويُبيَّن، والفرق هنا ليس بين حق وباطل، إنما بين أمرين كلاهما حق، وله حكمة في زمنه.
وتأمل وصف الأمر ذاته بأنه (حكيم) لأنه أمر الله {أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ} [الدخان: 5] يعني: ليس هناك حكمة ترتقي إلى هذا الأمر الذي يأتي من قِبَل الحق سبحانه {إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} [الدخان: 5] يعني: لم نترك خَلْقنا هملاً إنما خلقناهم وأرسلْنا لهم مَنْ يأخذ بأيديهم إلى الصراط المستقيم ويدلُّهم على الهدى ويُبيِّن لهم.
فالحقّ أول ما خلق الخَلْق أرسل الرسل لهدايتهم، لذلك كان آدم عليه السلام وهو أول البشر رسولاً، لأن الخالق سبحانه خلق الإنسانَ، لماذا؟
لأنه خلقه لعمارة الأرض
{هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ..} [هود: 61] يعني: طلب منكم عمارتها، والعمارة تقتضي الصلاح وتمنع الفساد ولا أقلَّ من أنْ نترك الصالح على صلاحه إذا لم نَزد في الصلاح.
وقد أوضحنا هذه المسألة بالبئر في الصحراء. وقلنا: إذا لم تَرْتَق به بأنْ تبني حوله سوراً وحافَّة تحميه من زَحْف التراب عليه، أو تجعل عليه آلة لرفْع الماء، فلا أقلَّ من أنْ تتركه على حاله ولا تهدمه.
كذلك حالُ الإنسان في عمارة الأرض عليه أنْ يُعمِلَ عقله في البدهيات ليصل منها إلى نظريات ترتقي بها حياته، عندنا مثلاً الصوف والوبر والشعر، لكلٍّ منها صفاته الخاصة وما يصلح له، لذلك قال القرآن
{وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ} [النحل: 80] .
ومعلوم أن الوبر للجمال، والصوف للغنم، والشعر للماعز، ولكل نوع منها خصائصُ يستخدمه الإنسان في ثيابه ومسكنه، وهذا من عمارة الأرض، حتى لو نظرنا إلى القواعد الهندسية والنظريات نجدها تعتمد في بدايتها على أمر بديهي موجود في الكون.
إذن: كلُّ ارتقاء في الكون أتى من أمر بديهي موهوب من الله، وعمل العقول في البدهيات من عمارة الأرض.