وَيُمْكِنُ أَنْ يُذْكَرَ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، فَيُقَالُ قَوْلُهُ (إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى) يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَأْتِينَا شَيْءٌ مِنَ الْأَحْوَالِ إِلَّا الْمَوْتَةُ الْأُولَى، وَهَذَا الْكَلَامُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا تَأْتِيهِمُ الْحَيَاةُ الثَّانِيَةُ ألْبَتَّةَ، ثُمَّ صَرَّحُوا بِهَذَا الْمَرْمُوزِ فَقَالُوا وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ فَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّكَلُّفِ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» .
(أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ(37)
«فَإِنْ قِيلَ» : مَا مَعْنَى قَوْلِهِ (أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ) مَعَ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي الْفَرِيقَيْنِ؟
قُلْنَا مَعْنَاهُ أَهُمْ خَيْرٌ فِي الْقُوَّةِ وَالشَّوْكَةِ، كَقَوْلِهِ (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ) [الْقَمَرِ: 43] بَعْدَ ذِكْرِ آلِ فِرْعَوْنَ.
(يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ(53)
قِيلَ السُّنْدُسُ مَا رَقَّ مِنَ الدِّيبَاجِ، وَالْإِسْتَبْرَقُ مَا غَلُظَ مِنْهُ، وَهُوَ تَعْرِيبُ اسْتَبْرَكْ، فَإِنْ قَالُوا كَيْفَ جَازَ وُرُودُ الْأَعْجَمِيِّ فِي الْقُرْآنِ؟
قُلْنَا لَمَّا عُرِّبَ فَقَدْ صَارَ عَرَبِيًّا.
(مُتَقابِلِينَ) هُوَ جُلُوسُهُمْ عَلَى صِفَةِ التَّقَابُلِ وَالْغَرَضُ مِنْهُ اسْتِئْنَاسُ الْبَعْضِ بِالْبَعْضِ.
فَإِنْ قَالُوا الْجُلُوسُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مُوحِشٌ لِأَنَّهُ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُطَّلِعًا عَلَى مَا يَفْعَلُهُ الْآخَرُ، وَأَيْضًا فَالَّذِي يَقِلُّ ثَوَابُهُ إِذَا اطَّلَعَ عَلَى حَالِ مَنْ يَكْثُرُ ثَوَابُهُ يَتَنَغَّصُ عَيْشُهُ؟
قُلْنَا أَحْوَالُ الْآخِرَةِ بِخِلَافِ أَحْوَالِ الدُّنْيَا.
(لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ(56)
وَفِيهِ سُؤَالَانِ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُمْ مَا ذَاقُوا الْمَوْتَةَ الْأُولَى فِي الْجَنَّةِ فَكَيْفَ حَسُنَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ؟
وَأُجِيبَ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ: