أخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى في بيتي فمر بهذه الآية: {وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) } قال: «صدقت ربنا أنت أقرب من دُعي، وأقرب من بُغي، فنعم المدعو، ونعم المُعطي، ونعم المسؤول، ونعم المولى، أنت ربنا، ونعم النصير» .
76 -ثم بيّن سبحانه، أن الإنعام حصل في الإجابة من وجوه:
1 - {وَنَجَّيْناهُ} ، أي: ونجينا نوحًا {وَأَهْلَهُ} ؛ أي: وأهل دينه، وهم من آمن معه، وكانوا ثمانين، {مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} والغرق العميم، وقيل: من أذى قومه دهرًا طويلًا، ومن كل ما يكربه ويسوؤه، والكرب: الغم الشديد كما سيأتي في مبحث اللغة.
2 -77 {وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ} ونسله {هُمُ} فحسب {الْباقِينَ} في الدنيا دون غيرهم، كما يُشعر به ضمير الفصل، وذلك لأن الله سبحانه، أهلك الكفرة بدعائه، ولم يبق منهم باقية، ومن كان معه في السفينة من المؤمنين، ماتوا كما قيل، ولم يبق إلا أولاده، وقد روي: أنه مات كل من كان معه في السفينة، غير أبنائه وأزواجهم، وهم الذين بقوا متناسلين إلى يوم القيامة، قال قتادة: إنهم كلهم من ذرية نوح، وكان له ثلاثة أولاد: سام، وحام، ويافث. فسام أبو العرب، وفارس، والروم، واليهود، والنصارى، وحام أبو السودان من المشرق إلى المغرب، وكنعان، والسند، والهند، والنوبة، والزنج، والحبشة، والقبط، والبربر، وغيرهم. ويافث أبو الترك، والخزر، والصقالب، ويأجوج ومأجوج، وما هنا لك.
وهذا هو المشهور على ألسنة المؤرخين، وليس في القرآن ولا في السنة نص قاطع على شيء من هذا، كما أنه ليس في القرآن ما يشير إلى عموم دعوته لأهل الأرض قاطبةً، ولا أن الغرق عم الأرض جميعًا، وأن ما تفيده الآية من جعل ذريته هم الباقون، إنما هو بالنسبة لذرية من معه في السفينة، وذلك لا يستلزم عدم بقاء ذرية من لم يكن معه، وقد كان في بعض الأقطار الشاسعة، من لم تبلغهم الدعوة، فلم يستوجبوا الغرق، كأهل الصين وغيرهم من البلاد النائية.