وفي الآية: تسلية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببيان أنه تعالى، أرسل قبله رسلًا إلى الأمم الماضية، فأنذروهم بسوء عاقبة الكفر والضلال، فكذبهم قومهم ولم ينتهوا بالإنذار، وأصروا على الكفر والضلال، فصبر الرسل على أذاهم، واستمروا على دعوتهم إلى الله تعالى، فاقتد بهم، وما عليك إلا البلاغ، ثم إن عاقبة الإصرار الهلاك، وغاية الصبر النجاة والفوز بالمراد، فعلى العاقل تصحيح العمل بالإخلاص، وتصحيح القلب بالتصفية.
قال الواسطي: مدار العبودية على ستة أشياء: التعظيم، والحياء، والخوف، والرجاء، والمحبة، والهيبة، فمن ذكر التعظيم يهيج الإخلاص، ومن ذكر الحياء يكون العبد على خطرات قلبه حافظًا، ومن ذكر الخوف يتوب العبد من الذنوب ويأمن من المهالك، ومن ذكر الرجاء يسارع إلى الطاعات، ومن ذكر المحبة يصفو له الأعمال، ومن ذكر الهيبة يدع التملك والاختيار، ويكون في إرادته تابعًا لإرادة الله تعالى، ولا يقول إلا سمعنا وأطعنا، ومن الله سبحانه التوفيق، بطريق التحقيق، وقد ذكر الله سبحانه، في هذه السورة ست قصص من قصص الأنبياء:
الأولى منها: قصص نوح عليه السلام
75 -ولما ذكر سبحانه، أنه أرسل في الأمم الماضية منذرين، وحسن عاقبة المنذرين بالكسر، وسوء خاتمة المنذرين، بالفتح ذكر تفصيل ما أجمله، فقال: {وَلَقَدْ} جواب قسم محذوف؛ أي: وعزتي وجلالي لقد {نادانا نُوحٌ} عليه السلام، ودعا واستنصر بنا على كفار قومه، لما بالغوا في إيذائه وهموا بقتله، حين دعاهم إلى الدين الحق. {فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ} له نحن إذ لبينا نداءه، وأهلكنا من كذب به من قومه، والنداء: الدعاء بقرينة {فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ} .
والمعنى: وبالله لقد دعانا نوح، وهو أول المرسلين حين يئس من إيمان قومه، بعدما دعاهم إليه أحقابا ودهورا، فلم يزدهم دعاؤه إلا فرارًا ونفورًا، فأجبناه أحسن الإجابة، حيث أوصلناه إلى مراده من نصرته على أعدائه، والانتقام منهم بأبلغ ما يكون، فوالله لنعم المجيبون نحن، فحذف ما حذف ثقة بدلالة ما ذكر عليه، والجمع دليل العظمة والكبرياء.