والإنذار قد قدمنا إيضاحه وبيّنا أنواعه في أول سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: {المص كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 12] وقوله في هذه الآية: {فالزاجرات زَجْراً} الملائكة تزجر السحاب ، وقيل تزجر الخلائق عن معاص الله بالذكر الذي تتلوه ، وتلقيه إلى الأنبياء.
وممن قال بأن الصافات والزاجرات والتاليات في أول هذه السورة الكريمة هي جماعات الملائكة: ابن عباس ، وابن مسعود ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد وقتادة ؛ كما قاله القرطبي وابن كثير وغيرهما ، وزاد ابن كثير وغيره ممن قال به: مسروقاً والسدي والربيع بن أنس ، وقد قدمنا أنه قول أكثر أهل العلم.
وقال بعض أهل العلم: الصافات في الآية الطير تصف أجنحتها في الهواء. واستأنس لذلك بقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطير فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرحمن} [الملك: 19] الآية. وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السماوات والأرض والطير صَآفَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} [النور: 41] الآية.
وقال بعض العلماء: المراد بالصافات جماعات المسلمين يصفون في مساجدهم للصلاة ، ويصفون في غزوهم عند لقاء العدو ، كما قال تعالى: {إِنَّ الله يُحِبُّ الذين يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ} [الصف: 4] .
وقال بعض العلماء أيضاً المراد بالزاجرات زجراً ، والتاليات ذكراً: جماعات العلماء العاملين يلقون آيات الله على الناس ، ويزجرون عن معاص الله بآياته ، ومواعظه التي أنزلها على رسله.