{هذه جهنم} أي: التي تستقبلكم بالعبوسة ، والتجهم كما كنتم تفعلون بعبادي الصالحين {التي كنتم توعدون} أي: إن لم ترجعوا عن غيّكم.
{اصلوها} أي: قاسوا حرها وتوقدها وهول أمر ذلك اليوم فإن ذكره على حد ما مضى بقوله تعالى: {اليوم} ليكونوا في شغل شاغل كما كان أصحاب الجنة وشتان ما بين الشغلين {بما} أي: بسبب ما {كنتم تكفرون} أي: تسترون ما هو ظاهر جداً بعقولكم من آياتي في دار الدنيا.
تنبيه: في هذا الكلام ما يوجب شدة ندامتهم وحزنهم من ثلاثة أوجه أحدها: قوله تعالى {اصلوها} أمر تنكيل وإهانة كقوله تعالى {ذق إنك أنت العزيز الكريم} (الدخان: (
ثانيها: قوله تعالى {اليوم} يعني: العذاب حاضر ولذاتهم قد مضت وبقي اليوم العذاب. ثالثها: قوله تعالى {بما كنتم تفكرون} فإن الكفر والكفران ينبئ عن نعمة كانت فكفر بها وحياء الكفور من المنعم من أشد الآلام كما قيل:
*أليس بكاف لذي همة ** حياء المسيئ من المحسن*
ولما كان كأنه قيل هل يحكم في ذلك اليوم بعلمه ، أو يجري الأمر على قاعدة الدنيا في العمل بالبينة؟ نبه على أظهر من قواعد الدنيا بقوله تعالى مهولاً:
{اليوم} على النسق الماضي في مظهر العظمة ؛ لأنه أليق بالتهويل {نختم} أي: بما لنا من عظيم القدرة {على أفواههم} أي: الكفار لاجترائهم على الكذب كقوله سبحانه {والله ربنا ما كنا مشركين} (الأنعام: (
{وتكلمنا أيديهم} أي: بما عملوا إقراراً هو أعظم شهادة {وتشهد أرجلهم} أي: عليهم بكلام بين هو مع كونه شهادة إقرار {بما كانوا} أي: في الدنيا بجبلاتهم {يكسبون} فكل عضو ينطق بما صدر عنه ، فالآية من الاحتباك أثبت الكلام للأيدي أولاً: لأنها كانت مباشرة دليلاً على حذفه من حيز الأرجل ثانياً: وأثبت الشهادة للأرجل ثانياً ؛ لأنها كانت حاضرة دليلاً على حذفها من حيز الأيدي أولاً.