أجيب: بأنه يستعين عليه بأعوان من عند الإنسان وترك استعانة الإنسان بالله تعالى ، فيستعين بشهوته التي خلقها الله تعالى فيه لمصالح بقائه وبقاء نوعه ويجعلها سبباً لفساد حاله ، ويدعوه بها إلى مسالك المهالك ، وكذا يستعين بغضبه الذي خلقه الله تعالى فيه لدفع المفاسد ويجعله سبباً لوباله وفساد أحواله ، وميل الإنسان إلى المعاصي كميل المريض إلى المضار ، وذلك حيث ينحرف المزاج عن الاعتدال فترى المحموم يريد الماء البارد وهو يزيد في مرضه ومن معدته فاسدة لا تهضم القليل من الغداء يميل إلى الأكل الكثير ولا يشبع بشيء وهو يزيد فساد معدته وصحيح المزاج لا يشتهي إلا ما ينفعه.
ولما منع من عبادة الشيطان أمر بعبادة الرحمن بقوله عاطفاً على أن لا:
{وأن اعبدوني} أي: وحدوني وأطيعوني {هذا} أي: الأمر بعبادتي {صراط} أي: طريق {مستقيم} أي: بليغ الاستقامة وعبادة الشيطان طريق ضيق معوج غاية الضيق والعوج ، وقرأ قنبل بالسين وخلف بالإشمام أي: بين الصاد والزاي والباقون بالصاد.
ثم ذكر ما ينبه لعداوة الشيطان بقوله تعالى:
{ولقد أضل منكم} أي: عن الطريق الواضح السوي بما سلطه به من الوسوسة {جبلاً} أي: أمماًكباراً عظاماً ما كانوا كالجبال في قوة العزائم وصعوبة الانقياد ، ومع ذلك كان يلعب بهم كما تلعب الصبيان بالكرة ، فسبحان من أقدره على ذلك وإلا فهو أضعف كيداً وأحقر أمراً ، وقرأ نافع وعاصم بكسر الجيم والباء الموحدة وتشديد اللام مع التنوين ، وقرأ أبو عمرو وابن عامر بضم الجيم وسكون الموحدة ، والباقون بضم الجيم والموحدة وكلها لغات ومعناها: الخلق والجماعة أي: خلقاً {كثيراً} ثم زاد في التوبيخ والإنكار بقوله تعالى: {أفلم تكونوا تعقلون} أي: عداوته وإضلاله ، وما حل بهم من العذاب فتؤمنوا ويقال لهم في الآخرة: